|
||||||||||||||||||||||||
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
"هل استقر الحال؟" قراءة في أفكار فرانسيس فوكوياما طيَّرت وكالات الأنباء على شبكة الإنترنت خبرًا يقول: "إن شركة الكوكاكولا بصدد إنتاج آلات توزيع ذكية، ترفع سعر المشروب عندما يكون الجو حاراً"!! قد يكون هذا الخبر تافهًا وبلا قيمة، بيد أن قراءة متأنية لما بين السطور تعطي هذا الخبر أهمية كبرى. العلم في خدمة الرأسمالية، والتكنولوجيا في خدمة العولمة "الاقتصادية". وفي صفة " الاقتصادية " تلك تكمن المشكلة الأساسية عند "فوكوياما". فبالرغم من أن "فوكوياما" يحدّد معنى نهاية التاريخ بأنه نهاية التاريخ بالمفهوم الماركسي: بمعنى وصول المؤسسات الاقتصادية والسياسية البشرية إلى ذروتها، إلا أننا نراه يستخدم مفهوم "العولمة" بمعنى سيطرة ثقافة معينة على الثقافات المتعددة، أي أنه يخرج من الإطار الاقتصادي/ السياسي ليفرض سيطرة ثقافية كذلك. فحين يتكلّم عن شبكة الاتصالات الدولية وثورة المعلومات نراه يركز على شفافية الحدث وانتشاره وتكراره. وربما كان توماس فريدمان في كتابه "اللكزس وشجرة الزيتون" أكثر دقة حين تكلم عن دور القبيلة الإلكترونية أو القطيع الإلكتروني -حسب بعض الترجمات- في توجيه المؤسسات السياسية والتأثير في العالم. لكن ماذا عن الثقافة والحضارة بالمفهوم الجرامشي؟ بمعنى عادات وتقاليد ومعتقدات المجموعات البشرية التي تتسم بسمات مستقرة، رغم التغيرات الحادثة في المؤسسات الاقتصادية والسياسية القائمة ؟ لا يذكر "فوكوياما" شيئًا عن هذا، لكنه يرى كأن هذه المؤسسات ستزول وتنمحي بمجرد الدخول في اقتصاد السوق ونهاية الديمقراطية!! وهذا ربط ميكانيكي يذكرنا بـ "الماركسية الستالينية" الجامدة التي لا ترى إلا الواقع الاقتصادي فقط، بل وتنتحله لإثبات وجهة نظرها. وهو ما يفعله "فوكوياما" تحديدًا حين لا يرى إلا الأزمة الاقتصادية الآسيوية التي اعترف سوروس بأنها "أزمة حقيقية للرأسمالية" والتي أدت إلى انهيار في الأنظمة السياسية التسلطية في آسيا وخاصة إندونيسيا، ولكنها غيّرت فقط في النخبة الحاكمة في ماليزيا، ومرت بسلام على الديمقراطية الكورية الوليدة. ماذا عن الدور المتزايد للجماعات غير الحكومية؟ وماذا عن عزوف المواطن في الدول الغربية عن المشاركة السياسية؟ وازدياد نفوذ الجماعات الهامشية سياسياً كالشيوعيين السابقين في ألمانيا، والخضر والأحزاب اليمينية المتطرفة ؟ كل هذه التغيرات لا تمثل بالنسبة لـ "فوكوياما" -الذي يسعى لإثبات "فرضية"- أية أهمية. بل إنه يرى أن المشاكل الكبرى التي واجهت فرضيته على حد تعبيره "يمكن إصلاحها باتباع سياسات محـددة". فالفرضية لا تغير الواقع، وهي ليست برنامج عمل ينبغي اتباعه للوصول إلى نتائج منشودة، وإنما هي رؤية نظرية لواقع محدد، ينبغي أن تساعد الباحث على فهم هذا الواقع وتفسير الانحراف عن النموذج العام قبل تفسير الالتزام بهذا النموذج. وإشكالية "فوكوياما" هنا هي أنه قدم تصورًا دعائيًا "للعالم الجميل الجديد" على أنه رؤية معرفية. فهو يلتزم الحتمية الماركسية التاريخية ولكن يغير من نتائجها، ويجعل الهيمنة للرأسمالية الرشيدة والبرجوازية العاملة بدلاً من الشيوعية والبروليتاريا. وبينما نجد أن مفهوم الحتمية ذاته يتعرض للانهيار؛ سواء في مجال العلوم الطبيعية التي يراها "فوكوياما" النموذج الأعلى الذي ينبغي الاقتداء به، أو في مجال الإنسانيات. حيث تساقطت الأفكار الحتمية والمنطق أحادي الاتجاه الخطي، وحلّت محلها رؤى نظرية تساؤلية تأخذ بتعددية الأسباب وفكرة تعددية السيناريوهات المحتملة.
ونرى نفس الخطأ المنهجي يتكرر حين يتكلم عن دول "الزيغ المغايرة" لنموذج نهاية التاريخ، ويمثل لها بإيران وصربيا، ورغم ضيق المثال فماذا عن الصين؟! وماذا عن الدول العربية وإسرائيل التي تقوم على أساس ديني؟! وغير ذلك، فـإن المشكلة تظل كما هي لماذا لا يفسر نموذج نهاية التاريخ هذا الانحراف، ولكن يتجاهله؟! لماذا لا يفسر النموذج ازدياد الشعور القومي والديني، وفكرة التطهير العرقي والنقاء العقدي، وإنمـا يتجاهلهـا ؟! بل لماذا لا يحاول "فوكوياما" استخدام نموذجه التحليلي في تفسير نماذج التنمية الأخرى البديلة، وإنما يحاول التأكيد على حيوية نموذجه باستخدام الإثبات بالنفي (لا يوجد بديل حقيقي واضح)؟! فهل عدم وجود البديل دليل على حيوية النموذج ودقته التفسيرية ؟! مرة أخرى يؤكد "فوكوياما" أن نموذجه ليس نموذجاً تفسيرياً حقيقياً، وإنما هو رؤية دعائية، تحاول باستخدام الماركسية في شكلها الميكانيكي التبسيطي أن تؤكد أن النموذج الأمريكي هو الحل."فوكوياما" يؤمن بالعلم وبالرأسمالية في شكل اقتصاد السوق وبالليبرالية في المجال السياسي، ولا استعداد عنده لتغيير إيمانه الثبوتي بهذه الأركان الثلاثة في ديانته الجديدة. العلم هو الذي يهدد نهاية التاريخ من وجهة نظر "فوكوياما" لأنه لا نهاية للعلم. فما هو العلم الذي يقدمه "فوكوياما"، إنه العلم الطبيعي بمنجزاته في مجالات الهندسة الحيوية وعلوم الوراثة الإحيائية، انبهار غريب يذكرنا بانبهار العالم بالطيران والسيارة واللاسلكي، وبمنجزات "العلم الحديث" كما كانت تسمى وقتها. لا يحاول "فوكوياما" رؤية الإشكاليات المتعددة التي تطرح نفسها في مجالات العلم الطبيعي بدءًا من الأحياء وانتهاءً بالفيزياء، إشكاليات معرفة العلم الدقيق المتمثل في الكائنات الدقيقة مثل الفيروسات والعالم الكبير المتمثل في الكون كله، وهل توجد حياة عليه، وأسرار الخلية التي ظن الإنسان أنه قد عرفها ثم اكتشف أنها رقعة المجهول تتزايد مع تزايد مساحة المعلوم واتساع نطاق البحث والاستكشاف. قد يكون السؤال البدهي هنا : وما هو النموذج البديل؟ خطورة هذا السؤال تكمن في أنه ليس بدهيًا كما قد يتبادر للذهن، وإنما هو متسرع وخاطئ. فالبحث عن البديل لم يعد مقصورًا على المجال السياسي والاقتصادي والسلطوي، وإنما ثمة رؤى مغايرة حقيقية تبحث عن تجاوز السياسي والسلطوي وعن إعادة الاقتصادي لحجمه كنشاط بشري من ضمن أنشطة أخرى. رؤى لا ترى التنمية باعتبارها الحل الوحيد، ولكن تنتقدها وتفضحها بل وتعتبرها كارثة حقيقية. وإنما تلك قصة أخرى . والله أعلم .
د. أسامة القفاش
Kaffash99@yahoo.com
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
||||||