|
جائزة أوروبية لكلينتون
مقابل تعطيل مصالحها !
بون-نبيل
شبيب
في إطار زيارته لألمانيا
حصل الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الجمعة
2/6/2000م على جائزة "شارلمان" في آخن، وهي
جائزة سنوية تمنح عادة لقاء المنجزات التي
يحققها بعض المشاهير لصالح أوروبا، مما فتح
الباب لطرح التساؤل عما إذا كان قرار منح
الجائزة كان لمجرد اقتراب موعد غياب كلينتون
قريبا عن المسرح السياسي، وليس لقاء منجزات
فعلية قدمها استنادا إلى أن العلاقات
الأوروبية الأمريكية شهدت خلال فترة حكمه
أسوأ عهودها.
ويرى
المؤيدون لهذه الرؤية أن هذه الفكرة تتأكد
ولا سيما عندما نذكر أن السنوات الثماني
الماضية على رئاسة كلينتون شهدت في العلاقات
الأمريكية-الأوروبية أشد ما وجدته من خلافات
ونزاعات منذ الحرب العالمية الثانية، من حيث
تنامي التناقضات الاقتصادية إلى ما يقترب من
مستوى الحرب التجارية، ومن حيث ازدياد
الرغبة الأوروبية في التميز عن الأمريكيين
في السياسة الأمنية، وما وقع من نزاعات بشأن
قيادة حلف شمال الأطلسي على الأرض
الأوروبية، فضلا عن الخلاف الراهن بشأن
مستقبل الشبكة العالمية، واقترانه بما يمكن
وصفه بالتمرد الأوروبي على الهيمنة
الأمريكية في هذا المجال أيضا.
ولكن ليس هذا
هو التناقض الوحيد الذي حمله عهد كلينتون
على صعيد العلاقات بين الحلفاء، وكان قد بدأ
عهده عقب نهاية الحرب الباردة وبداية عصر
الوفاق الدولي في الشريط الشمالي من الكرة
الأرضية، مما يفترض معه أن يكون عهد سلام
وأمن يسجل أضعاف ما أمكن تسجيله من اتفاقات
لتخفيف حدة الأزمة بين الشرق والغرب في
العقود الماضية، ولكن يلفت النظر أن الرئيس
الأمريكي كلينتون هو الوحيد بين الرؤساء
الأمريكيين منذ بداية الانفراج في
السبعينيات ، الذي لم تعقد خلال فترة رئاسته
أي اتفاقية للحد من التسلح بمشاركة أمريكية،
وحتى اتفاقية حظر التجارب النووية التي
تزعمت واشنطون خلال المفاوضات عليها ممارسة
الضغوط على مختلف دول العالم للمشـاركة فيها
كما هو معروف، لم تجد في عهد كلينتون التصديق
اللازم عليها من جانب "الكونجرس"، أما
اتفاقية حظر الألغام الأرضية التي شاركت
فيها الدول الغربية الأخرى بحماس كبير،
وكانت ثمرة جهود سنوات عديدة من جانب منظمات
غير حكومية تأسست في الولايات المتحدة
الأمريكية، فقد رفضت حكومة كلينتون من الأصل
المشاركة فيها، بعد أن وضعت للمشاركة شروطا
تعجيزية تستثنيها من الالتزامات المراد
الوصول إليها.
الدرع
الصاروخي
ويضاف إلى ما
سبق الآن سعي كلينتون إلى أن يصل قبل نهاية
عهده لتعديل اتفاقية عام 1972م لحظر أنواع
معينة من الأسلحة البعيدة المدى، بما يفرغها
من مضمونها، ليتخذ القرار النهائي حول
الشروع في بناء ما يسمى شبكة "الدرع
الصاروخي"، ويزيد كلينتون على ذلك بتصريح
مساعديه قبيل لقاء القمة الروسية-الأمريكية
بأن من الممكن اتخاذ هذا القرار وإن لم يتم
تعديل الاتفاقية المذكورة .. وهو ما يعني
باختصار خرق بنود الاتفاقية.
ويعتبر
مشروع الدرع الصاروخي مشروعا مصغرا نسبيا عن
المشروع الذي أعلنه الرئيس الأمريكي الأسبق
رونالد ريجان في آذار / مارس عام 1983م وعرف
آنذاك بمشروع الحرب الكونية، أو حرب النجوم
وقال في حينه: إنه يريد صناعة صواريخ تنطلق
من الفضاء الكوني للتصدي للصواريخ
السوفييتية العابرة للقارات، وكان ريجان
معروفا بأنه آخر الزعماء الغربيين تجاوبا مع
حركة جورباتشوف التي فتحت الأبواب أمام
الوفاق الدولي على مصراعيها، ورغم ذلك لم
يسقط المشروع مع سقوط جدار برلين، وإنما سقط
في عام 1993م نتيجة ارتفاع تكاليفه المالية.
والواقع أن
إيقاف المشروع لم يقترن بوقف التجارب
الأساسية المرتبطة بالتقنيات التطويرية
التي يتطلبها، فاستمر إجراؤها في
الثمانينيات والتسعينيات، ويبدو أن تبني
المشروع مجددا الآن بصورته المختصرة، يأتي
بعد أن وصلت هذه التجارب إلى النتائج
المطلوبة منها، وبعد تبني المشروع من جانــب
أصــحاب الأموال في صنـاعـة السلاح
الأمريـكـيـة وأنصـارهـم داخـل "الكونجرس"،
وهو مشروع يكلف -رغم اختصاره- ما لا يقل عن
ستين مليار دولار حسب التقديرات الراهنة،
التي يمكن أن يكون وراءها بعض التهوين من
حجمها لتمريره، ويتضمن المشروع نشر مائة
صاروخ مضاد للصواريخ العابرة للقارات في
ولاية آلاسكا في حدود عام 2005م، كدفعة أولى من
أصل 250 صاروخا.
اعتراضات
أوروبا على المشروع
وهنا يمكن
تقدير أسباب الاستغراب الكبير في الدول
الأوروبية الحليفة للأمريكيين فضلا عن
الاتحاد الروسي، من التعليلات التي تسوقها
حكومة كلينتون لتبرير المشروع، كقول روبرت
وولبول (10/5/2000م) المسؤول عن تحليل الأخطار
السوقية في المخابرات المركزية الأمريكية:
إن بلاده في حاجة إلى هذه الصواريخ لحماية
أراضيها من دول معينة، مثل كوريا الشمالية
وإيران والعراق، ويبدو أنه يعلم بهشاشة هذه
الحجة عند المقارنة بين الأخطار التي يتحدث
عنها، وبين حجم المشروع الجديد للتسلح
الأمريكي، إذ يضيف إنه يجب ردع هذه الدول عن
التفكير بتوجيه ضربة صاروخية في المستقبل،
من خلال إدراكها أن الرد سيكون مدمرا بصورة
شاملة.
وتتضمن
الاعتراضات الأوروبية على المشروع الأمريكي
الإشارة أيضا إلى أنه إذا صح الحديث عن أخطار
ما فقد تكمن في استخدام أسلحة كيمياوية أو
حيوية يتم الوصول بها إلى الولايات المتحدة
الأمريكية دون صواريخ عابرة للقارات تتطلب
صواريخ مضادة لها، إنما يبدو أن ما لا يتردد
على ألسنة الديبلوماسيين علنا، هو المخاوف
مما يعنيه المشروع الأمريكي الجديد من زيادة
الهوة الفاصلة عسكريا بين الأمريكيين
وحلفائهم، وليس بين الأمريكيين والمصنفين
في خانة العداء لهم، لا سيما أن اتخاذ القرار
ببدء المشروع الآن يوحي باستغلال العجز
الروسي والعجز الأوروبي ماليا عن مجاراة
الولايات المتحدة الأمريكية، رغم التهديدات
المبطنة الصادرة عن موسكو مؤخرا بأن خرق
اتفاقية 1972م يعني تجديد سباق التسلح، وهذا
جنبا إلى جنب مع محاولة إحراج واشنطون بمزيد
من الخطوات الروسية في اتجاه الحد من
التسلح، كما ظهر في التصديق على الاتفاقية
الثنائية الثانية للحد من التسلح النووي
البعيد المدى، والتصديق على اتفاقية حظر
التجارب النووية التي لم تصادق واشنطون
عليها بعد.
نحو
سياسة أمنية دولية جديدة
إن تحرك
الأمريكيين لتنفيذ مشروعهم الجديد يقوم على
سياسة أمنية دولية جديدة نسجت خيوطها في عهد
الرئيس الأمريكي الحالي كلينتون، وتجاوزت
واشنطون بها المعطيات الجديدة التي أوجدها
الوفاق بين المعسكرين، ولا يمكن فصلها عن
التمرد الأوروبي المتزايد على الهيمنة
الأمريكية، وقد بدأ يأخذ أشكالا واضحة على
طريق التميز الأمني، ورغم ما صدر من تصريحات
رسمية أثناء مؤتمر فلورنسا لحلف شمال
الأطلسي، توحي بتخلي واشنطون عن تحفظاتها
تجاه التميز الأوروبي، فإن الشروط
الأمريكية واضحة في تأكيدها أن تتم كل خطوة
أوروبية في هذا المجال بالتنسـيق مع حلف
شمال الأطلسي، الباقي حتى الآن تحت هيمنة
أمريكية واضحة. وهنا يبرز موقع المشروع
الصاروخي الجديد من السياسة الأمنية
الأمريكية، ليس من زاوية الردّ على الحلفاء
الأوروبيين فقط، بل في الوقت نفسه من زاوية
أن واشنطون لا تطالب نفسها بمثل ذلك التنسيق
الذي تطالب به حلفاءها، وإنما تريد أن توجد
لنفسها مكانة عسكرية مستقبلية بهيمنة شاملة
وفارق كبير تجاه سائر القوى الدولية الأخرى،
ولا يغير من ذلك حديث كلينتون في لقاء القمة
الأمريكي-الأوروبي في لشبونه عن الرغبة في
مشاركة "دول متحضرة" أخرى في المشروع،
بعد أن ظهر الموقف الأمريكي واضحا على لسان
وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت
في لقاء الأطلسي الأخير، وهي تؤكّد
الأولويات التي تحسم في اتخاذ القرار
النهائي في الخريف المقبل، فتضع "النتائج
السياسية الخارجية" بمعنى ردود فعل الدول
الأخرى بما في ذلك الدول الحليفة، في
المرتبة الرابعة، بعد التأكد من قابلية
تنفيذ المشروع تقنيا، وضمان تكاليفه
المالية، وتقدير الأخطار الخارجية.. وجاء
التعبير عن عنصر "النتائج السياسية
الخارجية" مقصودا للتأكيد أن واشنطون لا
تنطلق من المشاورات المسبقة، بل من النتائج
اللاحقة بعد اتخاذ القرار، وهي في مرتبة
متأخرة، وهو ما أدركه الحلفاء الأوروبيون،
وأعرب عنه وزير الخارجية الألماني يوشكا
فيشر بقوله: إن الأوروبيين لا يملكون
التأثير على الولايات المتحدة الأمريكية
على هذا الصعيد.
اقرأ أيضًا:
قضايا سياسية
|