حكومة شريف و"إسقاطات" أزمة كارجيل
تتواصل حركة المظاهرات التي تنظمها مختلف أحزاب المعارضة الباكستانية بعد تشكيلها تحالفاً يضم 19 حزباً، واعتمد التحالف -الذي سمّي التحالف الديمقراطي الكبير- أجندة عمل من نقطة واحدة: "إسقاط
الحكومة"، في محاولة لاستثمار "تراكم" السخط الشعبي الذي أعقب توقيع "إعلان واشنطن" بين الرئيس الأمريكي كلينتون ورئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف في يوليو/ تموز 1999م بشأن سحب المقاتلين الكشميريين من داخل الجزء الهندي في كشمير.
وفي بلد تمثل فيه المؤسسة العسكرية الرقم الصعب، راهن كثير من المحللين على أن الجيش سيدعم هذه "الانتفاضة" رغبة منه في التخلص من حكومة سحبت البساط من تحته بعد أن تراجعت عن مساندة خطته في الاستمرار في الاحتفاظ بالمرتفعات التي تمت السيطرة عليها في منطقتي كارجيل ودراس الصيف الماضي، وقرأ هؤلاء المحللون في هذا السياق التقرير الأمريكي الذي صدر في 22/9 الماضي والذي يحذر من "التفكير" في إزاحة الحكومة المنتخبة، ويدعو إلى ترسيخ مفهوم "التداول" السلمي للسلطة.
وهذا التقرير كان لا بد أن يدفع المراقبين إلى طرح العديد من التساؤلات: هل كان شريف وراء دفع واشنطن لإصدار "تحذير" صريح للعسكر، وكيف تم ذلك؟ ما أهمية هذا التحذير؟ وماذا قدّم نواز لواشنطن مقابل هذا الدعم؟ وهل ستدعم أمريكا حركة الاحتجاجات ضد الحكومة؟ وما هو مصير حكومة نواز؟ وما هو دور الجماعة الإسلامية في باكستان في هذا الخضم؟
واشنطن تمسك العصا من الوسط
نظرة فاحصة للتقرير ولتصريحات المسؤولين الأمريكان خلال هذه الفترة تدل على أن فحوى التقرير سلاح ذو حدين، فقد استطاعت أمريكا "مسك العصا من الوسط" بدعوتها حكومة شريف إلى عدم انتهاج سياسة تكميم الأفواه وإتاحة حرية التعبير، وهو "تلميح" مبطن تخشاه كثير من الحكومات، وبتمكنها -حسب بعض المصادر- من كسب مزيد من التنازلات خلال زيارة كل من شهباز شريف (شقيق نواز) ورئيس الاستخبارات العسكرية لواشنطن في أوائل سبتمبر 99.
مصادر مطلعة -رفضت الإفصاح عن هويتها- صرحت لموقعنا "I O L" أن البيت الأبيض حرص على إبلاغ رسالة واضحة إلى نواز شريف بـ "حتمية" توقيع باكستان على معاهدة حظر إجراء التجارب النووية CTBT كما طالب -من بين كثير من النقاط - بالضغط على حركة طالبان الأفغانية في ثلاثة محاور:
| 1 |
- |
وقف عمليات إنتاج وتصدير المخدرات من داخل أفغانستان بعد أن أصبحت المساحة المزروعة 91 ألف هكتار هذا العام، 97 % منها في المناطق التي تسيطر عليها حكومة طالبان. |
| 2 |
- |
تسليم المطلوب السعودي "أسامة بن لادن". |
| 3 |
- |
استثارة حركة طالبان لتكون "شوكة" مسلحة في حلق إيران. |
كما يرى الجنرال حميد جل -رئيس الاستخبارات العسكرية الباكستانية السابق- أن أمريكا تهدف كذلك إلى الضغط على حكومة شريف لاتخاذ خطوات هدفها "تفريغ" الجيش الباكستاني من العناصر الوطنية؛ لأن واشنطن تخشى من تنامي دور هؤلاء داخل هذه المؤسسة، كما أنها تخطط أن تلعب الهند دور شرطي المنطقة، بينما تبقى باكستان في "مقعد الاحتياط". وقد أكدت بعض الجهات أن هذه العناصر الوطنية ذاتها داخل الجيش وجهاز الاستخبارات ما زالت حسب الفرص المتاحة توازن بين خيارات متعددة وتحرك كثيراً من الأحزاب لتنظيم مظاهرات تذكّر نواز بقدرتها على تحريك الشارع تحريكاً قد يصل إلى حد العصيان المدني في إطار المحافظة على التوازن الموجود داخل مراكز القوى في باكستان.
كل هذه المعطيات تعطي انطباعاً بأنّ الإدارة الأمريكية تريد تحقيق أكبر قدر من المكاسب من قرارات حكومة نواز قبل أن تتركها بين "مطرقة" العسكر و"سندان" غضب الشارع، إلاّ أن بعض المطلعين على خبايا السياسة الباكستانية أوضح أن أمريكا لا تزال تراهن على الحكومة القائمة لأسباب منها:
| 1 |
- |
أن التحالف الديمقراطي المعارض يجمع بين ديمقراطيين وإسلاميين، وبعضهم يحمل عداءً شديداً للهند وأمريكا خاصة، وللغرب عموماً. |
| 2 |
- |
في حالة إزاحة حكومة نواز فإن أمثلة مشابهة لكارجيل وأسامة بن لادن ستكثر في المنطقة. |
| 3 |
- |
حكومة شريف كان لها فضل إنجاز الانسحاب من كارجيل وتحتاج مساعدة لتجاوز الخطر الذي مثلته هذه الخطوة. |
| 4 |
- |
إسلام آباد جاهزة أكثر من ذي قبل لتوقيع معاهدة وقف التجارب النووية CTBT مما يعني إجهاض أي تحالف باكستاني -إيراني أو باكستاني -صيني لتبادل التكنولوجيا المتطورة ، وإضافة باكستان بعد كوريا الشمالية إلى قائمة الدول التي ستدخل "بيت الطاعة الأمريكي". |
مستقبل حكومة نواز
وأمام هذه المعطيات ترى المحللة السياسية نسيم زهرة أن أي "تصحيح" داخل الحزب الحاكم عن طريق انقلاب أبيض على زعامة نواز قد لا يُجدي، فالحزب -شأن كثير من أحزاب جنوب آسيا- يعتمد في تقدمه على بريق الزعيم، والمحيطون بشريف كلهم ليسوا أهلاً للقيادة، حيث اختارهم رئيس الوزراء خصيصاً بسبب هذه "المزية" لإشباع رغباته الديكتاتورية، ولذا فإن لواشنطن وجهات أخرى يمكن أن تدعم إطاحة ديمقراطية شعبية بحـكومة شريف بـ "تخطيط" عسكري و "ذراع" شعبية، رغبة من أمريكا في تغيير الوجوه لإطالة "نَفَس" تواجدها الإستراتيجي في المنطقة، وهو ما يستدعي عدم احتفاظها بـ "أوراق محروقة"، وهي في كل الأحوال لا تراهن على الأشخاص والحكومات وإنما على الأَجَندة المنجزة، مع أن بعض المراقبين يرون أن الصورة ليست "قاتمة" إلى هذا الحد، فنواز قد ضمن ورقة العسكر بعد الجهد الذي بذله قائد الأركان برويز مشرف في إسكات التململ الذي بدا في الأوساط العسكرية بعد أحداث كارجيل وهو ما أكسبه-أي برويز مشرف- تمديداً لقيادته للأركان إلى تاريخ 6/10/2001، إضافة إلى عدم وجود انسجام داخل صفوف المعارضة التي وصفها وزير الإعلام الباكستاني بأنها تضم 19 رئيساً للوزراء.
.
" الغائب - الحاضر" في هذه "الطبخة" هي الجماعة الإسلامية التي ما زالت تُجيِّش الشارع لصالحها، معتمدة في ذلك على اعتماد خطاب تهييجي يصل في بعض الأحيان إلى حد التهديد المباشر للحكومة، مع رفضها المطلق لمبدأ التحالفات، وهو ما فسّره البعض على أنه "إدراك" من الجماعة لخطر الدور الذي تريده منها "الأطراف الفاعلة" أن تلعبه، حيث ترى بعض المصادر أن الجماعة يراد لها أن تكون "حصان طروادة" الباكستاني بعد ورود أنباء مؤكدة عن لقاءات تمت على مستويات عليا بين قادة الجماعة ودبلوماسيين أمريكان، حاول خلالها هؤلاء الدبلوماسيون إقناع مسئولي الجماعة بـ "التقدم" لقيادة الشارع المتأجج، وهو العرض الذي استقبله أمير الجماعة القاضي "حسين أحمد" بكثير من الحماسة لا يدانيها سوى الفتور الذي جوبه به هذا العرض من المتنفذين في صفوف الجماعة الذين أوضحوا للأمير أن الإدارة الأمريكية تريد أن تجعل من حزبهم ورقة محروقة ينتهي مفعولها بُعَيد إسقاطها للحكومة، تماماً مثلما حدث حينما لم تستفد الجماعة من سقوط حكومة بينظير بوتو مع أنها -أي الجماعة- كانت المعول الذي أجهز على تلك الحكومة.
المعطيات الميدانية تغيرت كذلك، حيث قلّ عدد المتعاطفين مع الجماعة في صفوف الجيش وأجهزة المخابرات، مما يجعل "مشروع" إسقاط الحكومة أصعب من ذي قبل، ويدلّ على أن عملية الشد والجذب داخل المشهد السياسي الباكستاني كتب لها أن تستمر لمدة أطول.
قضايا سياسية
|
|
|