بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

انتخابات الخريف تعصف بيوغسلافيا الثالثة

بقلم/ نهاد إسلامي - كوسوفا

ترجمة وتحرير/ شيرين فهمي


ونحن على مشارف خريف جديد نجد، الفلاحين الكوسوفيين يتجهون إلى مزارعهم؛ ليحصدوا أول محصول لهم بعد حرب دامية امتدت طيلة عامين كاملين، فهذا هو الخريف الثاني الذي تشهده كوسوفا منذ اندلاع الحرب ومنذ تدخل الحلف الأطلسي في أراضيها.

 ومثل هذا "الحصاد" يعتبر إنجازًا إلى حد ما، خاصة بعد أن مُنع هؤلاء الفلاحون من زراعة أراضيهم في الصيف الماضي بسبب الألغام التي تمَّ "زرعها" في تلك الأراضي على يد الجيش والشرطة الصربيَّين، وبلغ عددها أكثر من نصف مليون لغم، وأدت إلى مقتل عدد كبير من الألبانيين. ولم تقف المأساة عند هذا الحد، بل امتدت إلى هذا الربيع، حيث تم تعرية جزء كبير من الألغام؛ الأمر الذي أدى إلى سقوط عدد غير قليل من المدنيين الأبرياء؛ هذا فضلاً عن الإعاقات والعاهات التي خلفتها تلك الألغام.

والمثير للدهشة هو بدء انسحاب الكثير من المنظمات الدولية الإنسانية – والتي تبلغ ثلاثمائة منظمة – من الأراضي الكوسوفية بحجة أن الشعب الكوسوفي لم يَعُد بحاجة إلى الغذاء. وقد بدأت تلك المنظمات بالفعل في الانسحاب، سواء على المستوى الجزئي أو المستوى الكلي. والحقيقة التي لا تعلمها تلك المنظمات - أو تتظاهر بعدم معرفتها - هي أن كوسوفا ما زالت في حاجة إلى المعونات والمساعدات؛ ليس في اللحظة الراهنة فقط بل لمدة خمس سنوات على الأقل، فقد بلغت نسبة البطالة في كوسوفا بعد الحرب 80%.

وفي النهاية نجد أنفسنا أمام صورة بائسة – للأسف - وباهتة للشعب الكوسوفي الذي يقف متحيرًا ومتألمًا بين مطرقة البطالة والفقر، وسندان العاهات التي خلفتها تلك المجزرة اليوغوسلافية.

وبالرغم من كل تلك الأزمات، نجد كوسوفا تستعد اليوم لاستقبال أول انتخابات حرة - على امتداد تاريخها - منذ عام 1912م؛ عام اقتحام القوات الصربية للأراضي الكوسوفية وإلحاق الأخيرة بالإمبراطورية اليوغسلافية. ويجدر بنا هنا أن نشير – ولو باختصار- إلى تطور العلاقات بين كوسوفا وصربيا على امتداد تلك الفترة من 1912م إلى وقتنا الحالي.

كوسوفا "محبوسة" في داخل يوغوسلافيا

مرت يوغوسلافيا بثلاث مراحل مختلفة، فكانت البداية في عام 1918م عندما نشأت الإمبراطورية اليوغوسلافية والتي تألفت من صربيا وكرواتيا وسلوفينيا. وكانت صربيا وقتها قد سيطرت على كوسوفا سيطرة كاملة. ومن ثَمَّ نستطيع القول إن كوسوفا انتقلت من الاحتلال الصربي في عام 1912م إلى الاحتلال الصربي أيضًا في عام 1918م، ولكن تحت المظلة اليوغوسلافية.

واستمرت الإمبراطورية اليوغوسلافية قائمة حتى عام 1941م، حيث داهمها الجيش الألماني بقيادة أدولف هتلر. لم تصمد الإمبراطورية – أمام الهجمات "الهتلرية" – سوى ستة أيام فقط. وهذا السقوط "السريع" إن دلَّ على شيء فإنما يدل على تضجر الشعوب التي كانت تعيش في ظل هذه الإمبراطورية، واستيائها الشديد من ذلك الشكل السياسي الذي كان يضمهم تحت الراية اليوغوسلافية، فالإمبراطورية بالنسبة لهم كانت عبارة عن كيان زائف ومصطنع. وطبعًا – ما عدا الصرب - كانت كل العرقيات الأخرى من الألبانيين والمسلمين والمقدونيين وسكان الجبل الأسود رافضة لهذا الوضع.

وبعد أربعة أعوام من السقوط، جاء قائد كرواتي شيوعي؛ ليعيد "الأمجاد" اليوغوسلافية من جديد. إنه الجنرال تيتو الذي أسس يوغوسلافيا جديدة – للمرة الثانية - في عام 1945م. وكان من ضمن سياسات تيتو الأساسية الموازنة بين العرقيات المختلفة بحيث لا تهيمن طائفة على أخرى. ولم تَرُقْ هذه السياسة للصرب الشيوعيين الذين اعتادوا فرض هيمنتهم على الآخرين. وقد أدى ذلك إلى شد وجذب دائمين بين تيتو والصرب.

واستمرت يوغوسلافيا الثانية – أو يوغوسلافيا "التيتوية" – حتى عام 1980م، حيث تُوُفِّي تيتو، وترك من بعده التناحرات والصدامات بين العرقيات والطوائف المختلفة. ومن ثَم فقد كانت وفاة تيتو مؤشرًا على بداية تفكك يوغوسلافيا الثانية كما حدث من قبل في عام 1941م.

وبعد وفاة تيتو، ظهر قائد جديد على الساحة السياسية "البلقانية"، ولكنه في هذه المرة لم يكن كرواتيًّا، بل كان صربيًا متعصبًا. إنه سلوبودان ميلوسوفيتش الذي أسس يوغوسلافيا الثالثة، والذي ارتكز في برنامجه السياسي على مبدأ القومية الصربية الفاشية. وقد تألفت يوغوسلافيا الثالثة من صربيا والجبل الأسود. أما باقي الدول، فقد نالت استقلالها من يوغوسلافيا إما عن طريق الدم أو عن طريق السلم. فبينما انتهجت سلوفينيا وكرواتيا والبوسنة طريق الدم، انتهجت مقدونيا طريق السلم.

وكما نعلم، فإن ميلوسوفيتش معروف بكونه "المهندس" الأساسي للحروب الإجرامية في يوغوسلافيا الثالثة. وتظل كوسوفا أكثر الضحايا دموية من بين ضحايا ميلوسوفيتش الكثيرة. وآخر ما آلت إليه كوسوفا – بعد كل ما تكبدته من آلام وأحزان – هو أن صارت محمية خاضعة للسيطرة الدولية.

ميلوسوفيتش.. وتحديات كوسوفا والجبل الأسود

يتفق المحللون السياسيون على أن الانتخابات اليوغوسلافية القادمة - التي ستجري في 24 سبتمبر الحالي - ستكون بمثابة العقدة الغوردية (وهي عقدة أحكم شدها غورديوس ملك فرجينيا وزعموا أنه لن يحلها إلا سيد آسيا المقبل، فجاء الإسكندر الأكبر وقطعها بسيفه) أو المشكلة العويصة التي سينتج عنها اضطراب واهتياج عظيم في البلقان.

ويواجه ميلوسوفيتش تحديات عنيفة في كل من كوسوفا والجبل الأسود، فأما كوسوفا، فتسيطر عليها القوة الدولية. وهذا معناه أن تقوم الأمم المتحدة بتنظيم انتخاباتها المحلية التي ستنعقد في نهاية شهر أكتوبر القادم. وأما منطقة الجبل الأسود، فقد قررت مقاطعة تلك الانتخابات - التي يسمونها "الفيدرالية" - وذلك بسبب رغبتها الشديدة في الاستقلال عن الدولة اليوغوسلافية.

هذا بالإضافة إلى تحدًّ ثالث يكمن في الشعب الصربي نفسه، فحسب الاستطلاعات الأخيرة، تبين أن حزب ميلوسوفيتش وزوجته ميرا يمر حاليًا بأزمة خطيرة تتمثل في فقدان شعبيته من قبل السكان في صربيا.

وتعتبر هذه أول مرة يتعرض فيها ميلوسوفيتش لمخاطر الخسارة، فلم يحدث من قبل أن تعرضت حكومة ميلوسوفيتش إلى هذا الكم الهائل من المخاطر التي قد تهدد بخسارته في الانتخابات. ومن العجيب أن يُمثل صف المعارضة كل تلك المخاطر، بالرغم من هشاشته.

ولا يسكت ميلوسوفيتش أمام هذه التحديات، بل يصرُّ على اجتيازها بشتى الطرق، وتساعده بلجراد بشتى الطرق أيضًا، فالاثنان يخططان لإنجاح حكومة ميلوسوفيتش في الانتخابات، ففي الجبل الأسود يسعى ميلوسوفيتش - بمساعدة جيشه وطاقمه من المخابرات - إلى سرقة أكبر عدد من الأصوات المؤيدة له. وهو يتبع نفس هذه السياسة - سياسة التصويت غير الشرعي - في كوسوفا. بالإضافة إلى ذلك، يسعى ميلوسوفيتش نحو عزل حوالي مائة ألف صربي - من الذين يعيشون في كوسوفا - عن المشاركة في الانتخابات المحلية الكوسوفية التي تنظمها الأمم المتحدة، فهو يريد منع تسجيل أسمائهم من ضمن السكان الكوسوفيين. وهذا ليس بغريب على ميلوسوفيتش الذي ينتهج سياسة فصل الصرب عن العيش مع الألبانيين، و"حشر" الصرب في "غيتو" (مكان مغلق) يمنعهم من ممارسة أي مشاركة حياتية مع الألبانيين.

وبما أن الصف الصربي لا يقف بأكمله مع ميلوسوفيتش، فقد يتجه الأخير فقط نحو هؤلاء الذين سيساهمون في تطويل ولاية حزبه على قدر المستطاع. ومن ثَم فهو يركز على أصوات الصرب في الجبل الأسود وفي كرينا (Kraina)، حيث يعقد عليهم أملاً كبيرًا في تدعيم حكمه الاستبدادي.

وتلعب بلجراد دورًا كبيرًا في محاولة إنجاح ميلوسوفيتش، فهي التي أمرت بمنع الأقلية الصربية في كوسوفا - المعروفة بعدم تأييدها لميلوسوفيتش - من المشاركة في الانتخابات المحلية بكوسوفا. وهي التي بدأت في إرسال مندوبين عن ميلوسوفيتش إلى كوسوفا لإقناع تلك الأقلية الصربية بالتصويت لميلوسوفيتش. ولا تعبأ بلجراد بقوى الأمم المتحدة التي تسيطر على كوسوفا؛ ولا تعترف بها أدنى اعتراف.

سيناريوهات الخريف الانتخابية

السيناريو الأول:

في حالة فوز ميلوسوفيتش وحلفائه، ستتجه حكومة التحالف في الجبل الأسود - والتي يرأسها دجو كانو فيتش – إلى إعلان الجبل الأسود كدولة مستقلة عن يوغوسلافيا. أما بالنسبة للمعارضة الصربية، فمن المؤكد أنها ستنجرف في فوضى عارمة. وتوجد احتمالات – ليست ببعيدة – في أن يلتحم بعض أفراد الجيش والبوليس الصربي مع الحركة الشعبية المعارضة.

وبالتأكيد، سيكون رد فعل ميلوسوفيتش شرسًا إلى أقصى درجة، فمن الممكن جدًّا أن يصب جام غضبه على قوات الأمن في الجبل الأسود، التي تتشكل من حوالي عشرين ألف رجل أمن ذوي مهارات واستعدادات عالية. وفي هذه الحالة طبعًا، لن نستطيع أن نستبعد تدخل قوات حلف شمال الأطلسي المتواجدة حاليًا في كوسوفا وألبانيا وحول الحدود مع الجبل الأسود ومقدونيا. بمعنى آخر، إن الـ50.000 جندي التابعين للحلف لن "يتفرجوا" على الحرب الدائرة بين جيش ميلوسوفيتش ورجال الأمن في الجبل الأسود.

وفي ظل هذه الظروف لن تجد كوسوفا أدنى داعٍ للتعلق أو الارتباط بيوغوسلافيا الثالثة، فستسارع هي الأخرى – كما فعلت حكومة الجبل الأسود من قبل - في إعلان استقلالها خاصة بعد الجرائم البشعة التي انتهكها الجيش والبوليس الصربي بحق الكوسوفيين الألبان. باختصار، إن الألبانيين - البالغ عددهم فوق 2 مليون نسمة - سيتركون يوغوسلافيا "الثالثة" تسقط وتتهاوى كما سقطت في المرتين السابقتين؛ ولن يعطوا أية فرصة لإيجاد يوغوسلافيا "رابعة".

السيناريو الثاني:

أما إذا فازت المعارضة الصربية في الانتخابات - التي لن تشارك فيها كوسوفا ولا الجبل الأسود - فستعلن حكومة الجبل الأسود استقلالها، ولكنها ستضيف إلى ذلك دخولها في مفاوضات مع بلجراد "الديمقراطية" على أساس هيكلي جديد بعيد عن مستوى الكونفدرالية.

وحتى في هذه الحالة، ستتجه كوسوفا – وهي في ظل حماية الأمم المتحدة – إلى استخدام حقها في الاستفتاء؛ لتحديد استقلالها المستقبلي. وحينئذ، فلن يستبعد المحللون السياسيون وصول قوات حلف الأطلسي إلى بلجراد؛ لتهدئة الوضع ومنع أي صدامات ممكنة بين الصرب ومواطني الجبل الأسود.

صربيا ستبقى وحدها

ونعود إلى الخريف ثانية – كما بدأنا به هذه المقالة ونقول: إنه سيحمل في طياته انتخابات بلقانية مشتعلة ونتائج أكثر اشتعالاً. ونستطيع أن نقول أيضًا: إن أزمة البلقان غالبًا ما ستنتهي في منطقة الجبل الأسود، التي ستمثل آخر محطة تعلن استقلالها من يوغوسلافيا. وحينئذ ستبقى صربيا وحدها، وسيتعين عليها أن تخوض في جميع المراحل الديمقراطية والإجراءات الدولية التي ستجعل منها دولة معترفًا بها على الصعيدين، العالم والدولي، ولكنها في هذه الحالة، لن يطلق عليها يوغوسلافيا مرة رابعة، بل ستفقد هذا المسمى إلى الأبد..

 

اقرأ أيضًا:

احتمالات استقلال كوسوفا أكبر

انتخابات محلية في كوسوفا "قبل نهاية العام"

كوسوفا.. قضايا معلقة بعد عام من الوجود الدولي

القنابل العنقودية تهدد مسلمي كوسوفا

1632 سنة سجن لكوسوفيين ناهضوا الحكم الصربي !

انتخابات تشريعية في كوسوفا قريبًا    

 

 

 

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع