بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

الإصلاحات الدستورية في سوريا.. ضروراتها ومجالاتها

دمشق - فايز سارة


ربما كان من المبكر الحديث بتوسع عن إصلاحات دستورية في سوريا، لكن ذلك لا يمنع، أنها موجودة وقائمة في التفكير السياسي السوري، بل إن احتمالات التوجه نحوها ليست بعيدة حسب الدلائل الظاهرة، وهو ما يندرج في إطار إستراتيجية التغيير والتجديد والإصلاح التي أعلنت في سوريا منذ تسلم الرئيس بشار الأسد رئاسة الجمهورية، والتي يمكن القول إنها بدأت قبل ذلك بقليل على نحو ما يعرف متابعو الوضع في سوريا.

ضرورات الإصلاح الدستوري

تنطلق ضرورات الإصلاح الدستوري في سوريا من جملة اعتبارات عامة، تتصل بالوضع العالمي المحيط بسوريا، وبالواقع السوري ومتغيراته. وإذا كان من السهل في الفترة الماضية، تجاهل أو تجاوز الاعتبارات العالمية، فإنه صار من الصعب غض النظر، أو تجاهل اعتبارات ومتطلبات الإصلاح المتصلة بتطورات الواقع الداخلي بعد نحو ثلاثين عاماً مرت على إقرار الدستور السوري، وشهد المجتمع السوري خلالها الكثير من التطورات.

وتتمثل الضرورات العامة التي تطرح الإصلاح الدستوري في سوريا في جملة التغييرات التي شهدها العالم في السنوات الثلاثين الماضية، وبخاصة في العشر سنوات الأخيرة، التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي والأنظمة الاشتراكية في شرق أوروبا، وانتهاء الحرب الباردة، والتوجه العالمي نحو الديمقراطية والتعددية وإشاعة الشفافية، والتبادل الحر للمعلومات عبر الوسائل الحديثة، وتطور الاتصالات والمواصلات بما تعنيه من سهولة انتقال البضائع والأشخاص، وكلها باتت تتطلب صياغة أنظمة دستورية جديدة في دول العالم المختلفة، تتوافق مع المحتوى العام للتطورات العالمية، حيث لم يَعُد من الممكن ولا من المقبول استمرار أو قيام أنظمة غير دستورية، أو أنظمة دستورية، لا تأخذ الواقع العالمي الراهن واحتمالاته المستقبلية بعين الاعتبار.

أما التغييرات التي شهدتها سوريا في العقود الثلاثة الماضية، فكانت هي الأخرى تغييرات وتبديلات هامة، ففيها صعدت، وانهارت قوى سياسية من الاتجاهات القومية والإسلامية والشيوعية، واختفت طبقات اجتماعية وجاءت أخرى، وطبقات تغيرت مكانتها، وتبدلت أحوال وأنماط اقتصادية، فتراجعت أنماط وظهرت أخرى، كما طرأت تحولات فكرية وثقافية على بنية المجتمع السوري، أدت إلى تغييرات طالت حتى مكانة العلم والنظم القيمية للمجتمع وقواه الأساسية.

الطريق السوري إلى الإصلاحات

ووسط المتغيرات العالمية، كانت سوريا، تحاول بشروط وحدود التوافق مع المتغيرات ذات الطبيعة السياسية - الاقتصادية، ولعل انخراط سوريا في التحالف الدولي ضد الاجتياح العراقي للكويت عام 1990م والتوجه السوري نحو عملية تسوية الصراع العربي - الإسرائيلي خلال وبعد مؤتمر مدريد 1991م، والانفتاح السوري في التسعينيات على اقتصاد السوق والتجارة العالمية، هي تعبيرات سياسية - اقتصادية على التوافق السوري مع المتغيرات المحيطة.

أما التغييرات والتبديلات المتصلة بالمتغيرات الداخلية والناتجة عنها، فقد كانت أكثر حذراً، وذلك بسبب حساسية الوضع الداخلي وحرص السلطة على تجنيبه أية هزات غير محسوبة النتائج، وربما كان الأهم من ذلك، محاولة خلق توافق بين الواقع والمتطلبات، وهو أمر بدا صعب التحقيق، ذلك أن الواقع تطور عبر سياسة سيطرة الدولة وأجهزتها ومتخذي القرارات فيها، فيما كانت المتطلبات ناتجة عن عوامل أخرى، أساسها احتياجات ومتطلبات الفئات الأوسع من الجمهور وفئاته المختلفة.

إن بين الأمثلة لعدم التوافق بين الواقع والمتطلبات، استمرار العمل بقانون الطوارئ في سوريا، وهو أمر مستمر منذ الخمسينيات مع توقفات محدودة في تطبيقه، وقد صار من الصعب استمرار العمل به، ليس لتناقضه مع أبسط حقوق الإنسان، وإنما أيضاً لتناقضه مع أساسيات التطور الاقتصادي، وإطلاق فعاليات السوق.

وهناك مثال آخر لعدم التوافق بين الواقع والمتطلبات، وهو استمرار دور حزب البعث باعتباره "الحزب القائد في المجتمع والدولة" فيما صارت المتطلبات تتجاوز قيام حزب – أي حزب – بمثل هذا الدور الخطير، الأمر الذي يتطلب توسيع حدود المشاركة السياسية لأحزاب وهيئات سياسية واجتماعية أخرى، بل لشخصيات وفعاليات سياسية واقتصادية واجتماعية للعب دور أوسع في قيادة المجتمع والدولة، وتكاد تتفق آراء العاملين في الحقل السياسي، بما فيهم قياديون في أحزاب الجبهة الوطنية المتحالفة مع حزب البعث على ضرورة توسيع المشاركة، ليس في الجبهة، وإنما أيضاً في مجلس الشعب السوري وفي المؤسسات التمثيلية الأدنى ومنها مجالس الإدارة المحلية.

لقد اقترنت محاولة التوافق بين الواقع والمتطلبات، مع سياسات إجرائية، تناولت جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية في العشر سنوات الأخيرة، والأهم في هذه الإجراءات، تخفيف قبضة الأجهزة الأمنية في تعاملها مع الواقع السياسي، وبخاصة إزاء التنظيمات والشخصيات السياسية التي تصنف بأنها "غير خطرة" والتي لا تطرح شعارات إسقاط النظام، وقد وفرت تلك السياسة حيزاً نسبيًّا من الحرية السياسية، استفادت منه بعض فئات ومنظمات اجتماعية ومهنية، وأقليات قومية تعيش جماعات منها في سوريا منها الأكراد، وشهدت الصحافة السورية حيزاً أوسع، مما كان متوفراً لنقد بعض السياسات والممارسات، ولا سيما في نقد السياسة الاقتصادية، وتم إطلاق دفعات متتالية من المعتقلين السياسيين.

 وترافقت تلك السياسة مع تحقيق انفراج اقتصادي في اتجاهات مختلفة، أبرزها انفراج نحو الجمهور الذي عانى خلال عقد الثمانينات من عدم توفر أو قلة وفرة احتياجاته الاستهلاكية، بما فيها المواد الأساسية، ووضع حد لمعاناة القطاعات الاقتصادية من سياسات الحكومات القانونية والإجرائية وسياسة حصر الاستيراد والتصدير، وفي الحالتين وفرت السنوات العشر الاخيرة، شروطاً أفضل لتلبية احتياجات السوريين المستهلكين والمنتجين، بل إن سياسات الحكومة في هذا المجال، حاولت التوجه إلى سياسة انفتاح اقتصادي شامل مقارنة بما كانت عليه في السابق.

أفق الإصلاحات المرتقبة

إذا كانت هذه السياسات لا تعني، إحداث إصلاحات دستورية، فإنها تمهد لحدوث هذه الإصلاحات على اعتبارها تؤشر إلى الميادين الأساسية التي ينبغي أن تطالها الإصلاحات الدستورية عندما تبدأ، وهي إصلاحات، تشمل بنية النظام وقوانينه ومؤسساته وممارساتها، وقد أشار الرئيس بشار الأسد في خطاب القسم الذي ألقاه يوم توليه منصب رئاسة الجمهورية في تموز/ يوليو 2000م إلى ملامح الإصلاح المطلوب، بتأكيد ضرورة السير بخطى ثابتة في تحديث القوانين، والتعاون بين القطاعات المختلفة للنهوض بالمجتمع، والاعتماد على الفكر الديمقراطي الذي يتشابه مع الفكر المؤسساتي، وتحقيق الإصلاح الإداري، وتطوير الأنظمة الإدارية وهيكلتها بالشكل الذي تحد من حالات التسيب والفساد، ونشر الفكر الديمقراطي لإيجاد ديمقراطية تتناسب مع المجتمع وعاداته وتقاليده.

ويبدو أن بعض هذه التوجهات، صارت في الحيز العملي من خلال قرارات اتخذتها الحكومة، ونشاط بدأ به مجلس الشعب السوري، يجسد عمليًّا صلاحياته في ممارسه دور تشريعي، وهي مهمة يبدو أنه كان غائبًا أو مغيبًا عن ممارستها خلافًا لنص الدستور السوري، وهو ما كان مثار نقد عنيف للمجلس في العام الماضي، ثم تجدد النقد في الفترة الأخيرة، وكان التركيز فيه على تهاون المجلس في ممارسة صلاحياته الدستورية في الرقابة على سياسة الحكومة ومحاسبتها، وصولاً إلى المطالبة باستقالتها، الأمر الذي يتطلب محاسبة مجلس الشعب، وربما كانت النقاشات والانتقادات مقدمة لخروج الكلام من داخل قاعة المجلس وأروقته إلى الصحافة، ومنه ما أثير في الصحافة السورية، وبعضه أخذ طريقه إلى الصحافة العربية، التي وجدت نفسها تقارب، وهي غير مصدقة نقاشات وحوارات مع أعضاء في مجلس الشعب السوري حول أوضاع سورية غالباً ما كانت محاطة بالكتمان، وغالباً بفعل تهيب المعنيين من طرحها وتناولها، وإيثارهم السكوت نهجاً في حياتهم العامة.

وثمة أوساط داخل مجلس الشعب، ترى أنه ينبغي الذهاب إلى الأبعد في المطالبة بحل المجلس والتهيئة لانتخابات برلمانية جديدة، تكفل تناسباً بين المجلس والتوجهات التي يتبناها العهد الجديد في سوريا، ولا سيما في موضوع الإصلاح الاقتصادي والإداري والمالي، ومقاومة الفساد، وعملية تحديث الدولة ورفع سوية أداء مؤسساتها، مما يتطلب مجلساً مختلفاً في أدائه، يقوم بتدقيق ومتابعة سياسات وأعمال الحكومة، ويكون قيماً على التوجهات العامة، وأكثر حرصاً على التقيد بالقواعد الدستورية.

وعملية تجديد المجلس تبدو شبه مؤكدة، كما يجزم عضو في المجلس، لكن ذلك سيكون في الدور التشريعي القادم، ويمكن أن تحدث تبديلات جزئية في انتخاب مكتب المجلس التي ستتم في الشهر العاشر المقبل، وطبقاً لمصدر رسمي، فإن ثمة تغييرات قريبة في قانون الانتخاب، سوف تصدر قريباً، ويكون من شأنها أن تدعم مشروعاً للإصلاح السياسي في سوريا، يغير موقع ودور حزب البعث الحاكم والأحزاب السياسية المتحالفة معه، كما يكون له تأثير على تشكيل الحكومة التي سوف تأتي مستندة إلى تمثيلها في مجلس الشعب.

إن عملية تحديث مجلس الشعب السوري في مهامه ودوره في الدولة والمجتمع، سوف تترافق وتتوافق مع تغييرات أخرى في تركيبته، وغالباً فإن عملية التحديث، ستكون مشابهة للتحديث الذي أصاب الحكومة السورية، والقيادات الحزبية في مستوى القيادة القطرية واللجنة المركزية في خلال المؤتمر القطري التاسع لحزب البعث الذي انعقد مؤخراً في سوريا، حيث طالت التغييرات نحو نصف الأعضاء، والتغييرات لا تشمل تغيير الوجوه والمهمات فقط، بل إضافة إليهما إدخال قدرات علمية وشابة، وتوسيع إطار المشاركة والحضور النسائي في المجلس المقبل، وغالباً فإنه سيتم توسيع المشاركة السياسية لشخصيات، وربما رموز لتيارات سياسية ليست ممثلة في المجلس الحالي.

ولا شك أن التغييرات التي تطال السياسات، والقوانين ومجلس الشعب، لا بد وأن تطال أيضاً الدستور السوري؛ لأنه ومع التغييرات تلك، فإن تناقضاً سيتراكم بين الواقع كما يصير وبين الدستور القائم.

وبانتظار حصول التعديلات أو التغييرات المأمولة في الدستور السوري، بل وفي مجلس الشعب، فإن الحديث عن الإصلاحات الدستورية سوف يستمر، وستشهد سوريا تبديلات وتغييرات على طريق إستراتيجية الإصلاح والتجديد المعلنة

 

اقرأ أيضًا:

السوريون والمجتمع الأهلي.. العمل العام خارج المؤسسة الرسمية

أية إصلاحات تحتاجها سورية؟

المنطقة بعد الأسد.. هل يمكن ملء الفراغ؟

المؤتمر التاسع لحزب البعث.. جميع مفاتيح السلطة بيد الأسد الجديد

خطاب الرئيس بشار.. على السوريين انتظار الوعود.

 

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع