|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
الحرب
الإثيوبية - الإريترية
فصل
جديد في عرض ممتد
محمد
عاشور
وفي
هذا المقال يمكن أن تقرأ:
قرن
الانشقاقات والخلافات في القرن الإفريقي
صراع
حدود أم تأكيد لصراع ممتد؟
إدارة
الصراع بين الإعلام والإعداد العسكري
المسارات
المحتملة والدلالات المختلفة للصراع
قرن
الانشقاقات والخلافات في القرن الإفريقي
تشير الأبحاث التي تشهدها منطقة القرن
الأفريقي إلى استمرار سلسلة الانشقاقات
والخلافات التي عانت منها دول المنطقة
داخليًّا وإقليميًّا عبر تاريخها، الأمر
الذي جعل التنافس والصراع هما السمة
الغالبة على شبكة العلاقات الداخلية
والإقليمية لدول هذه المنطقة، يعبر عن
ذلك اختلاف الهويات الثقافية الوطنية
الرسمية لهذه الدول ما بين العروبة
والأنجلوفونية والفرانكفونية
والصومالية والأمهرية والتيجرينية..واقتصارًا
على دولتي الصراع نجد أن إريتريا ما زالت
تراوح مكانها فيما يتعلق بتحديد هويتها
من حيث صعوبة تحديد تلك الهوية في ظل
الميراث التاريخي للحركة الوطنية
الإريترية والتركيب الإثني والديني بها،
ذلك أنه على الرغم من الدور التاريخي
للمسلمين في الحركة الوطنية الإريترية
فان مخاوف المسيحيين من هيمنة المسلمين
على قيادة الحركة الوطنية أدت إلى تصاعد
أسهم القيادات العلمانية في الحركة
الوطنية سعيًا للحد من الانشقاقات
والصراعات التي نشبت بين فصائل الحركة
الوطنية الإريترية، ورغم نجاح الحركة
الوطنية في حجب تلك الصراعات فإنه سرعان
ما عادت تلك الهويات للبروز من جديد خاصة
مع بروز التوجه التجراني، نسبة إلى إقليم
وجماعة التجاري الذي تنتمي إليه القيادة
في إريتريا، للنخبة المالكة في إريتريا
التي انحازت للقومية التجرانية على حساب
غيرها من القوميات، الأمر الذي أثار
حفيظة القوميات والجماعات الأخرى خاصة
ذوي التوجهات العربية والإسلامية لا
سيما مع تراجع التوجهات العربية للحكومة
القائمة في إريتريا.
أما إثيوبيا فقد ظلت تصنف نفسها حتى
منتصف الخمسينيات على أنها دولة شرق
أوسطية إلا أنه مع تزايد موجة استقلال
وتحرر الدول الأفريقية أخذت إثيوبيا
تعلي من هويتها الأفريقية، وعلى الرغم من
ذلك ظلت السمة الغالبة هي هيمنة جماعة
الأمهرية على السلطة والحكم حتى مطلع
التسعينيات حينما حلت القومية
التيجرانية محل الأمهرية في السلطة،
وعلى الرغم من موجة التفاؤل التي صاحبت
ذلك التغير فإنه سرعان ما تبددت تلك
التوقعات والآمال مع تصاعد التوترات
الداخلية يبن القوميات المكونة للمجتمع
الإثيوبي وفي مقدمتهم قومية الأورومو
والقومية الصومالية بالأوجادية وكذلك
القومية الأمهرية لعدم رضائها للتراجع
النسبي لمكانتها في المجتمع.
وما يقال عن الصراعات الداخلية في
إثيوبيا وإريتريا يقال كذلك عن كل من
السودان وجيبوتي وتلاشت تحت وطأتها
الصومال. من ناحية أخرى فإن دول المنطقة
تعاني في معظمها من مشكلات الحدود
والتداخل الإثني حيث لا تخلو حدود أي من
دول المنطقة من مطالبات بأحقية هذا الطرف
أو ذاك في أراضي تابعة للطرف الآخر على
أسس تاريخية أو قومية أو إثنية.
يساعد على ذلك ويفاقمه اختلاف توجهات
أنظمة الحكم وممارساتها الداخلية بين
دول المنطقة، الأمر الذي جعل من منطقة
القرن الأفريقي ساحة للتوتر والحروب،
علاوة على ما شهدت من آنٍ إلى آخر من
كوارث طبيعية كالجفاف والتصحر
والمجاعات، الأمر الذي يلقى بظلاله
الكثيفة من الشك حول مستقبل المنطقة كلها
في ظل تلك الظروف وهذه السياسات
والصراعات التي تستنزف الموارد في أتون
الصراعات الداخلية والحروب البينية التي
تحد من إمكانيات التعاون والتنمية بها.
صراع
حدود أم تأكيد لصراع ممتد؟
في ضوء الأوضاع الاقتصادية والسياسية
المتردية لدول منطقة القرن الأفريقي وقف
الكثير من المراقبين في حيرة أمام الحرب
الإثيوبية الإريترية على الحدود بينها،
التي نشبت من جراء ادعاء كل طرف اعتداء
الطرف الآخر واستيلائه على أراضي تابعة
لإقليم المدعي، وقد نبعت دهشة المراقبين
من واقع الحرب التي جاءت في ظل تطورات
ومستجدات شهدتها ساحة القرن الإفريقي،
وكانت تشير في مجملها إلى تقارب بين
النظامين الحاكمين في كل من أديس أبابا
وأسمرة وصل إلى درجة الوقوف المشترك ضد
النظام السوداني ودعم القوى المعارضة
له، رغم اختلاف منطلقات كل طرف وأسبابه
في ذلك، باستثناء إعلانهما الخشية من
محاولات النظام السوداني في التسعينيات
تصدير الأصولية الإسلامية إليهما ودعمه
لقوى المعارضة بالدولتين.
علاوة على ما سبق، جاء نشوب الحرب بين
إثيوبيا وإريتريا في أعقاب الزيارة
الفريدة التي قام بها الرئيس الأمريكي
بيل كلينتون في مارس 1998 للقارة واجتماعه
مع رؤساء دول وحكومات شرق ووسط وجنوب
القارة، وهي الزيارة التي استهدفت من بين
ما استهدفت ترتيب الأوضاع في منطقة شرق
إفريقيا وتوزيع الأدوار على اللاعبين
الأساسيين وفي مقدمتهم إثيوبيا
وإريتريا؛ ولذا مثلت الحرب الحدودية بين
هاتين الدولتين خروجًا على مقررات
السياسة الأمريكية بالمنطقة ودفعت
للتساؤل عن أسباب الحرب؛ والواقع أنه
بعيداً عن الحجج القانونية التي طرحها
الجانبان للدلالة على أحقية كل منهما
بالمناطق موضع النزاع، فإن الشاهد أن
الميراث التاريخي للعلاقات بين البلدين
والطموحات الآنية للقيادات قد لعبا
دوراً حيويًّا في تأجيج الصراع
واستمراره ثم انفجاره على النحو الذي
شهدته المنطقة.
فالميراث التاريخي للعلاقات الإريترية
الإثيوبية هو في جوهره ميراث صراعي
عدائي، وحتى بعد استقلال إريتريا ظل هناك
تيار إثيوبي ينادي بضرورة إعادة ضم
إريتريا إلى إثيوبيا واعتبر ذلك الفريق
أن الموافقة على استقلال إريتريا كان خطأ
فادحاً لحرمانه إثيوبيا من أي منفذ على
البحر الأحمر رغم ضخامتها المساحية
وكثافتها السكانية، في حين تتمتع
إريتريا التي لا يتجاوز عدد سكانها ثلاثة
ملايين نسمة بساحل يمتد مئات الأميال،
وتجد تلك الحجة تعاطفاً وتأييداً كبيرين
بين الجماهير الإثيوبية على اختلاف
مشاربها وقومياتها وحتى بين أولئك
المؤيدين لحق إريتريا في الاستقلال حيث
يرى هؤلاء ضرورة أن يكون لإثيوبيا منفذ
للملاحة حتى لا تظل تحت رحمة جيرانها. وعلى
الجانب الإريتري نجد أن حقبة الاستعمار
الإثيوبي ـ الذي امتد لأكثر من ثلاثين
عاماً – لإقليم إريتريا قد خلفت ميراثاً
من المرارة والكراهية في نفوس الإريترين
تجاه إثيوبيا، ولعل من الأمور ذات
الدلالة في هذا المقام أن اسم العملة
الإريترية "نقفة" مستمد من اسم بلدة
شهدت معركة حاسمة بين القوات الإثيوبية
وقوات حركة التحرير الشعبية الإريترية
عام 1988م وانتصرت فيها قوات الحركة. وفي ظل
ذلك المناخ العدائي فإنه يسهل تفسير أقل
بادرة من هذا الطرف أو ذاك بأنها محاولة
للهيمنة أو الاعتداء. وعلى
صعيد طموحات القيادات نجد أن كلا من
إثيوبيا وإريتريا قد حرص على تقديم نفسه
كفاعل إقليمي حيوي بالمنطقة يجب
الاعتماد عليه فيما يتصل بأي من
الترتيبات المزمع اتخاذها، واستندت
إثيوبيا في ذلك على ميراثها من العلاقات
الخارجية الدولية والإقليمية وتراثها
التاريخي الحضاري كواحدة من أقدم وأعرق
دول القارة إضافة إلى ثقلها البشري
واتساعها الجغرافي. وفي المقابل طرحت
إريتريا نفسها كفاعل إقليمي يجب
الاعتداد به انطلاقاً من موقعها
الإستراتيجي وقدراتها العسكرية
والتنظيمية – حيث يذكر أن الجيش
الإريتري في الأعوام التالية لاستقلال
إريتريا كان يعد أكثر جيوش المنطقة كفاءة
وتنظيماً في ظل خبرة الكفاح الوطني
الطويلة التي خاضها، علاوة على ذلك عمدت
إريتريا إلى إقامة شبكة من العلاقات
الخارجية التي تؤمن لها الحصول على ذلك
الدور الاقليمي، فلم تنضم جامعة الدول
العربية ودشنت علاقات متميزة مع إسرائيل
وحاولت إقامة توازن في علاقتها بين
الجانبين العربي والإسرائيلي وهو أمر لم
يكن بحال يقبل التوازن لطبيعة الصراع
العربي الإسرائيلي وأطرافه من ناحية
وطبيعة دولة إريتريا أرضاً وشعباً
وأهميتها الإستراتيجية من ناحية أخرى.
وهكذا أدى تنافس الطرفين على القيام بدور
الفاعل الإقليمي وتأكيد وجوده وفاعليته
إلى محاولة كل طرف تعزيز قدراته على حساب
الطرف الآخر، حيث أقدمت إريتريا على
إصدار عملتها النقدية الخاصة وفك
الارتباط بينها وبين "البر" عملة
إثيوبيا ومطالبة إثيوبيا بدفع رسوم
الشحن عبر موانئ إريتريا بالعملة
الصعبة، وفي المقابل قامت إثيوبيا
بتحويل جانب من صادراتها ووارداتها إلى
موانئ جيبوتي، وامتنعت في ذات الوقت من
إمداد إريتريا بحاجتها من بعض الحبوب
الغذائية إلا بعد دفع قيمتها بالعملة
الأجنبية. وفي
ضوء ما سبق يمكن القول: إن الصراع الحدودي
بين إثيوبيا وإريتريا كان بمثابة الحمم
الدالة على بركان العلاقات بين الجانبين
في ظل سعي كل منهما تأكيد وجوده في مواجهة
التغيرات الإقليمية والدولية.
إدارة
الصراع بين الإعلام والإعداد العسكري
من المعروف أن أي دولة عند دخولها في صراع
معين فإنها تستخدم كافة إمكانياتها
وقدراتها لحسم الصراع لصالحها، إلا أن
المراقب للصراع الإثيوبي الإريتري يلحظ
بوضوح نمطين مختلفين من أنماط إدارة
الصراع من حيث مكونات إستراتيجية إدارة
الصراع، فعلى حين ركزت إريتريا ثقلها
الأساسي في إدارة حملة إعلامية إقليمية
ودولية لحشد التأييد الدولي والإقليمي
لموقفها من الصراع، فقد توالت منذ اللحظة
الأولى البيانات والتصريحات الصادرة عن
قيادة الدولة وأجهزتها المختلفة شارحة
موقف إريتريا من النزاع ومؤكدة على شرعية
ذلك الموقف ومطالبة بوقف الاعتداءات
الإثيوبية وإجبارها على وقف إطلاق النار
وقبول التسوية السلمية للصراع انطلاقاً
من مبدأ الإقرار بالحدود الموروثة من
الاستعمار، الذي ترى إريتريا أن إثيوبيا
قد خرقته بادعائها تبعية أراضي إريترية
لها ومحاولة فرض ذلك كأمر واقع.
وعلى الجانب الآخر، لوحظ أن الموقف
الإثيوبي عبر مراحل الصراع اتسم بالغموض
والمماطلة والتسويف فيما يتعلق
بالمبادرات المطروحة لتسوية الصراع
وإنهاء الحرب حيث اقتصر موقف إثيوبيا على
تفنيد ادعاءات إريتريا بشأن الاعتداء
الإثيوبي والتأكيد على أن الأراضي موضع
النزاع إثيوبية الأصل، وأن الأسباب
الحقيقية للصراع تكمن في الصعوبات
الداخلية التي واجهتها إريتريا فدفعتها
لمحاولة نقل خلافاتها ومشاكلها الداخلية
إلى خارج إريتريا بادعاء أن لإريتريا
أراضي لم تتسلمها من دول الجوار، الأمر
الذي أسفر عن عدة مواجهات حدودية بين
إريتريا ودول جوارها المختلفة (اليمن -
إثيوبيا - السودان - جيبوتي..) الأمر الذي
رأت فيه إثيوبيا دليلاً على أن الخلافات
الحدودية ليست سياسات آنية أو عابرة بقدر
ما هي إستراتيجية ثابتة تنتهجها الحكومة
الإريترية في تعاملها مع دول الجوار. وقد
رفضت إثيوبيا أي حديث عن تسوية سلمية
للنزاع قبل إنسحاب إريتريا من الأراضي
التي احتلتها دون قيد أو شرط. ومن هنا كان
رفض وتسويف إثيوبيا لأي مبادرة لا تتضمن
مطالبة إريتريا بالانسحاب إلى حدود ما
قبل 6 مايو 1998. والحق
أنه يمكن تفهم موقف كلا الطرفين في ضوء
واقع القوة الشاملة للطرفين حيث إنه عند
اندلاع الحرب نجحت إريتريا في استغلال
قدرتها العسكرية المتفوقة - آنذاك -
أعداداً وتنظيماً في فرض أمر واقع
بالاستيلاء على المناطق المتنازع عليها
وطرد القوات الإثيوبية الموجودة بها، ثم
سعت عبر الأداة الإعلامية والدبلوماسية
إلى محاولة حشد المؤازرة الدولية لوقفها
ولما كانت القوة الإريترية المستخدمة هي
أقصى ما تستطيع الدولة حشده من قوات
مؤهلة ومدربة فإنه لم يكد من الغريب
اللجوء إلى الأدوات الأخرى غير العسكرية
لإدارة الصراع. وراهنت إريتريا على
المواقف والمؤسسات الدولية لتأمين
المكاسب المتحققة من التحرك العسكري،
وكان رائدها في ذلك الصراع الإريتري
اليمني الذي نجحت فيه إريتريا في التوصل
إلى تسوية قضائية للنزاع مع اليمن حول
الجزر الواقعة في المياه المشاطئة لها.
أما فيما يتعلق بالموقف الإثيوبي وتطوره
فيمكن القول: إن المباغتة الإريترية نجحت
في إحداث هزة واضطراب داخل المؤسسة
العسكرية الإثيوبية والنظام الحاكم "بأديس
أبابا" في ظل إدراك النظام الإثيوبي
للرهان الإريتري على مسألة القوميات؛
لذا لم يسارع النظام بدفع كافة قواته
وتوجيها إلى الجبهة خوفًا من انتهاز قوى
المعارضة الفرصة لمحاولة التخلص من
النظام الحاكم أو الانفصال عنه، وفي ظل
تلك الحسابات اضطرت إثيوبيا للقبول
وقتيًّا بما فرضته إريتريا على أرض
الواقع على الرغم من الصدمة التي أصابت
المجتمع الإثيوبي من جراء ذلك، تلك
الصدمة التي عبر عنها النظام ذاته بإعلان
وقف الحرب عبر البرلمان الإثيوبي في
13/5/1998 في محاولة لامتصاص غضب الشعب
الإثيوبي بجعل قرار إيقاف الحرب بيد
نوابه في البرلمان.
وعلى عكس النظام الإريتري امتلكت
إثيوبيا قدرات أكبر بكثير على الحشد
والتعبئة إضافة على العمق الإستراتيجي
لها على خلاف ضعف ذلك العمق لدى إريتريا،
ومع إخفاق التوقعات الخاصة بانفراط عقد
القوميات الإثيوبية تحت وطأة صدمة
الهزيمة المباغتة للقوات الإثيوبية أصبح
الزمن في صالح إثيوبيا التي استطاع
نظامها إعادة تنظيم صفوفه ودعم مؤسسته
العسكرية وتأمين جبهته الداخلية مستغلاً
في ذلك رصيد علاقاته الإقليمية والدولية
وإمكانياته المادية التي مهما بلغت
محدوديتها تظل أكبر بكثير من قدرات
إريتريا التي عانت من ضعف القدرة على
تحمل تكاليف التعبئة العامة والحرب التي
كانت خصما من إمكانيات الدولة الفقيرة
والمثقلة بمواريث الاستعمار الإثيوبي.
وفي ضوء ما سبق لم يكن من المستغرب أن
يتجدد القتال وبضراوة في ظل إصرار
إثيوبيا على إعادة هيبتها ومكانتها التي
اهتزت بفعل تطورات الحرب أول الأمر، وهو
ما يفسر أيضاً عدم احتفاء إثيوبيا
باسترداد المناطق التي تدعيها لدى
إريتريا وتوغلها داخل الأراضي الإريترية
صوب العاصمة أسمرة رغم كافة النداءات
والتهديدات الدولية بفرض عقوبات عليها
حال عدم امتثالها للشرعية الدولية. المسارات
المحتملة والدلالات المختلفة للصراع
تؤكد
إثيوبيا أنه ليس لديها أي أطماع في
الأراضي الإريترية رغم توغلها مئات
الكيلومترات في تلك الأراضي، الأمر الذي
يدفع للتساؤل عن أهداف إثيوبيا ومراميها
من وراء ذلك، ويرتبط بذلك احتمالات تطور
الأوضاع على المساحة الإريترية ومنطقة
القرن الإفريقي ككل، وهنا يمكن طرح عدة
تصورات محتملة لمسار الصراع، على أننا
نسارع قبل عرض تلك المسارات المحتملة إلى
القول: إنه أيًّا كان المسار المحتمل
تحققه فإن أحد الأغراض الأساسية للتوغل
الإثيوبي في الأراضي الإريترية هو تحطيم
القدرات والإمكانيات الإريترية على نحو
يشغلها طويلاً عن أن تشكل تهديداً
لإثيوبيا مرة أخرى.
أما فيما يتعلق بالمسارات المحتملة
للصراع فأول هذه المسارات هو اكتفاء
النظام الإثيوبي بما أحرزه من انتصار
واستجابته للنداءات والمناشدات الدولية
بوقف القتال والدخول في مفاوضات مع
النظام الإريتري الحالي حول ترتيبات ما
بعد الحرب، وهي ترتيبات ستكون لغير صالح
إريتريا على أية حال حيث يتوقع أن تتضمن
امتيازات لإثيوبيا فيما يتعلق بمسألة
الملاحة وشحن البضائع عبر الموانئ
والطرق الإريترية.
ويتمثل المسار الثاني في استمرار الزحف
الإثيوبي المباشر أو تحت غطاء معارضة
إريترية مصطنعة نحو العاصمة أسمرة
لإسقاط النظام القائم وتنصيب نظام موالٍ
لإثيوبيا من بين قوى المعارضة الإريترية
لا سيما من أبناء تيجري الموالين
لإثيوبيا حيث إنه الفصيل الوحيد الذي
يقبل التعاون مع إثيوبيا، ولا تخشى
إثيوبيا التعامل معه وذلك بعكس الحال
بالنسبة لقوى المعارضة الأخرى لا سيما
القوى الإسلامية، حيث لن تقبل أي من تلك
الجماعات الوصول إلى السلطة على أسنة
الرماح الإثيوبية لما لذلك من انعكاسات
خطيرة على شرعيتها بين أبناء جلدتها من
الإريتريين. وعلى أية حال فإن تحقق ذلك
المسار سوف يقتضي استمرار الوجود
العسكري الإثيوبي تحت أي مسمى لتأمين
بقاء واستمرار ذلك النظام الموالي
الذي يتوقع أن يدخل في معاهدة دفاع مشترك
وربما في صورة من صور الاتحاد مع إثيوبيا.
ويتبقى تصوران آخران، يجمعهما ضعف
احتمالهما وهما: إقدام إثيوبيا على
الإجهاز التام على النظام الإريتري وضم
كامل الإقليم وإعادته إلى حظيرة
إثيوبيا، والثاني هو قيام إثيوبيا
باقتطاع جزء من الأراضي الإريترية يكون
بمثابة ممر لإثيوبيا نحو الساحل، وادعاء
تأجير ذلك الجزء من إثيوبيا. وكلا
الاحتمالين ضعيف في ظل الصعوبات
القانونية التي تكتنفهما، ولتعارضهما مع
مصالح قوى ودول إقليمية مستفيدة من وجود
إريتريا وانحباس إثيوبيا عن الساحل.
وإن شئنا المغامرة باختيار أحد تلك
البدائل فإن البديل الأول هو الأكثر
احتمالاً حيث إنه على الرغم من الهزيمة
شبه الكاملة لإريتريا تظل القوة
العسكرية الفاعلة بالبلاد هي تلك
التابعة للحركة الشعبية لتحرير إريتريا
بقيادة السياسي أفورقي الذي يعتبر الأب
الروحي لقيادات الحركة الذين يدينون
بالولاء الشخصي المباشر له على نحو يحد
من إمكانيات الإطاحة به من داخل الحركة،
وإن لم يمنع من تحقق ذلك الاحتمال عبر دعم
إثيوبي مباشر لجماعة أو قيادة بعينها
طامحة في السلطة.
ويرتبط بالمسارات المحتملة على صعيد
إريتريا احتمال إقدامها على التلويح
بورقة الهوية العربية، واستعدادها
للانضمام إلى جامعة الدول العربية؛ وذلك
لجذب التأييد العربي نظمًا وشعوباً إلى
جانبها في صراعها مع إثيوبيا لا سيما بعد
تخلي الغرب عنها وانحيازه إلى جانب
إثيوبيا حتى فيما يتصل بالقرارات
الدولية الخاصة بفرض عقوبات على
الجانبين في ظل تفاوت القدرة النسبية
للطرفين على تحمل تلك العقوبات لصالح
إثيوبيا. ويجدر التنبيه إلى ضرورة الحذر
في التعامل مع مثل هذه التكتيكات في ضوء
الخبرة السابقة لحرب التحرير الإريترية
وما صاحبها من ممارسات مشابهة.
أما فيما يتعلق بالدلالات المستمدة من
خبرة الحرب الإثيوبية الإريترية فإنه
يمكن الإشارة سريعاً إلى مجموعة
الدلالات التي نراها معبرة في هذا المقام:
أول هذه الدلالات ترتبط بالأوهام
المتصورة عن الإستراتيجية الأمريكية
بالمنطقة وصلابتها، حيث مثل اندلاع
الحرب الإريترية الإثيوبية خرقاً لذلك
الوهم حيث جاءت الحرب في أعقاب زيارة
الرئيس الأمريكي للمنطقة وما صاحب ذلك من
حديث عن ترتيب أمريكي للمنطقة وتنسيق
بينها وبين أتباعها الإقليميين وفي
مقدمتهم إثيوبيا وإريتريا لحصار النظام
السوداني ودعم المعارضة السودانية، حيث
جاء اندلاع النزاع وتصاعده خصمًا من
قدرات طرفيه على تحقيق ذلك الهدف.
ودليلاً على أن الخطط الأمريكية في
المنطقة - إفريقيا على الأقل - ليست
بالصلادة والإحكام المتوهمين، الأمر
الذي يعني إمكانيات للعمل والفعل لأي
فاعل مهما ضعف لتحقيق أهدافه ومصالحه(خبرة
الصومال في مقدمة المارينز). الدلالة
الثانية في هذا المقام ضرورة حسن الإعداد
وحساب التكلفة والعائد بصورة موضوعية
عند اتخاذ قرار الخروج على مقررات
وترتيبات القوى الدولية، فلا يكفي
الشعور بالاقتدار بل لا بد من امتلاك
قدرات وإمكانيات حفظ الكيان واستمراره
في مواجهة الضغوط الدولية وعقاب القوى
المهيمنة، وهو الأمر الذي وقعت فيه
إريتريا حينما حاولت ترسيخ دورها كفاعل
إقليمي بالمنطقة على حساب إثيوبيا التي
كانت القوى الغربية وفي مقدمتها
الولايات المتحدة ترى أنها الأجدر بهذا
الدور. ولم تنجح إريتريا في تغيير قناعات
الغرب، وأخفقت كذلك في حماية قرارها.
ويتعلق بما سبق حقيقة أنه قد يكون من
السهل اتخاذ قرار الدخول في مواجهة
عسكرية، ولكن التطورات المصاحبة للحرب
تفرض من القيود ما يحول دون القدرة على
اتخاذ قرار وقف الحرب في ظل شبكة
التعقيدات الداخلية والإقليمية
والدولية التي فرضتها الحرب.
ختاماً: تلقي تطورات الأحداث في القرن
الإفريقي بصفة عامة والحرب الإريترية
خاصة بظلال من الشك على مدى مصداقية
الحديث عن آليات إقليمية للتدخل من أجل
فض وتسوية المنازعات، ناهيك عن منعها قبل
حدوثها حيث تشير الأحداث إلى الإخفاق
التام لتلك الأدوات. إضافة إلى ذلك تؤكد
وقائع الحرب الإريترية الإثيوبية أن
جهود الوساطة فيما يتصل بالنزاعات
الحدودية لا تفيد كثيراً في التوصل إلى
تسوية نهائية للنزاع بقدر ما تؤدي إلى
تهدئة الموقف ووقف القتال دون حسم أو
علاج للأسباب الحقيقية للنزاع على نحو
يتيح الفرصة لتفجر النزاع من جديد، كما
أن تعدد وتزاحم الوسطاء والمبادرات يؤدي
إلى تأخر الوصول إلى تسوية في ظل رفض كل
طرف المبادرة التي لا تروقه انتظاراً
لمبادرة أفضل تحقق قدراً أكبر من مطالبه،
أو تحينًا للفرصة الملائمة لحسم الصراع
عسكريًّا، وإجبار الطرف الآخر على قبوله
على نحو ما تثير أحداث الحرب الإريترية
الإثيوبية.
تجدد
المعارك بين إريتريا وأثيوبيا
الأمم
المتحدة تهدّد إثيوبيا وإريتريا !ـ القوات
الأثيوبية تتوغل داخل إريتريا حظر
دولي على تسليم أسلحة إلى أثيوبيا
وإريتريا تعبئة
شاملة بالسودان بسبب حرب إريتريا-إثيوبيا
أثيوبيا
تدمّر الآلة العسكرية الإريترية ثالث
مدينة إريترية تسقط في يد أثيوبيا
القاهرة
تدرس طلبًا إريتريًًّا للوساطة مع
إثيوبيا إريتريا تقبل التفاوض دون قيد أو شرط !ـ إريتريا:
قتلنا 37 ألف جندي أثيوبي!
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
||||||