بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
مجريات الأحداث:
خطاب حقوق الإنسان بين العولمة والتطبيع
هشــــــام جعـــفر
محرر الشئون السياسية

    خطاب حقوق الإنسان له سياق داخلي (داخل الدولة) وآخر خارجي يتحرك فيه، ولا يمكن فهم وإدراك تبديات هذا الخطاب على المستويين الدولي والمحلي إلا بادراك السياق الذي يتحرك فيه. ولكن اختلاف السياقات بين الخارجي والداخلي لا يعنى إلا توظيفات مختلفة لخطاب حقوق الإنسان في ظل أهداف ومصالح مشتركة استطاعت القوى المهيمنة في النظام الدولي أن تبنيها مستفيدة من بعض النخب المحلية في دول الجنوب، فمن الحقائق الأساسية التي يؤكدها خطاب حقوق الإنسان أنه بعد الحرب الباردة برز اتجاه يحاول إقرار المرجعية الحضارية الغربية (الأمريكية أساساً) ويقيمه على العالم بأسره مستخدماً شتى الوسائل، وهذه الجهود تتشابك وتترابط وتدعم وتؤكد، نخب حقوق الإنسان في العالم الثالث ومنها العالم العربي.
عولمة خطاب حقوق الإنسان
1 - يحسن التأكيد - بداية - على أن كثيراً من الدول، وخاصة الدولة المهيمنة أو القوى الكبرى في النظام الدولي، سعت، ولازالت تسعي، إلى استخدام خطاب حقوق الإنسان كسلاح في سياستها الخارجية وذلك لتحقيق أهداف أيدلوجية أو استراتيجية أو اقتصادية خاصة بها، سواء خلال الحرب الباردة أو بعدها، ويتخذ ذلك شكل التركيز على أبعاد حقوق الإنسان التي تخدم مصالحها وتجاهل ما دون ذلك.
ولقد أدى هذا الاستخدام المصلحي لخطاب حقوق الإنسان على المستوى الخارجي إلى ازدواجية المعايير عند تطبيق هذه الحقوق أو الدعوة إلى الالتزام بها من جانب الدول الكبرى في النظام الدولي، والدوافع الكامنة وراء هذه الازدواجية. وقد أضعف هذا الاستخدام من المصداقية الفكرية والقيمية - في دول الجنوب - لضرورة الالتزام بخطاب حقوق الإنسان.
2 - بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك دول الكتلة الشرقية لم يعد مطروحاً - على الأقل على المستوى التطبيقي - غير النموذج الليبرالي لمفهوم حقوق الإنسان، فقد اكتسب هذا الفهم قوة دفع كبيرة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وقبل ذلك كان لا يزال هناك حديث عن نموذجين مختلفين لحقوق الإنسان: أحدهما يركز على حقوق الفرد والحقوق المدنية والسياسية، والآخر يطرح حقوق الجماعة في مقابل حقوق الفرد، والحقوق الاجتماعية والاقتصادية في مقابل الحقوق المدنية والسياسية.
وسعت - بعد الحرب الباردة - دول وأطراف كثيرة (رأسمالية أساساً) إلى عولمة الفهم الغربي لحقوق الإنسان، حيث يصير المقصود بالمعولمة هنا فرض نسق قيمي واحد يتضمن معايير محددة سلفاً، وتمثل توجهاً أيدلوجياً بعينه بشأن مسألة حقوق الإنسان، أي تقويم ما تحقق في هذا المجال وفقاً لمعايير عالمية، والمقصود بالعالمية هنا الحضارة الغربية أساساً، مستغلة غياب أي نسق حضاري ثقافي منافس تسانده القوة السياسية لدولة أو دول كبرى.
ويلاحظ بصفة عامة أن اتجاه العولمة بهذا المعنى اتجاه اختزالي لمضمون حقوق الإنسان حتى في ظل المواثيق الدولية والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان (التي كانت تعبيراً عن القوى المنتصرة بعد الحرب العالمية الثانية وهي بالأساس قوى غربية) حيث يتم التركيز فقط على الحقوق المدنية والسياسية للمواطن دون الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للشعوب؛ ثم يطال الاختزال الحقوق المدنية والسياسية لتصبح حرية الفكر والاعتقاد والتعبير هي التجسيد لكل خطابات حقوق الإنسان، على اعتبار أن التحرر الفكري يواكبه تحرير اقتصادي ودعم لآليات السوق، وهو ما يعني اقتصاداً مفتوحاً أمام الشركات متعدية الجنسية دولية النشاط.
3 - إن من مقتضيات عولمة خطاب حقوق الإنسان بالمعنى المتقدم، أنه لم يعد خطاباً ملكاً خالصاً للحكومات، وإنما أصبح أيضاً وفي نفس الوقت مطلباً من مطالب قوى "المجتمع المدني" العالمي بمؤسساته وفعالياته، وهذه القوى لها دور متنامى في صنع السياسة الخارجية لدولها [انظر كيف لعبت القوى الدينية المحافظة في المجتمع الأمريكي دوراً في صياغة وإصدار قانون الاضطهاد الديني]، وهذه القوى قد تتطابق توجهاتها مع توجهات حكوماتها الخارجية، ولكن يظل أيضاً هناك قدر من المفارقة والتمايز بين الاثنين [القبض على الجنرال بونشيه - وانظر تحليلاً لهذه القضية في مقالي العدد 1339 من مجلة المجتمع].
ويدعم من هذا التطور أنه برزت الآن على مستوى الجدل النظري حالة اللا حسم على المستوى المعرفي والمفاهيمي لحقوق الإنسان على الساحة الدولية مستفيدة هذه الحالة من اتجاه ما بعد الحداثة على المستوى المعرفي والثقافي، وقد أدت هذه الحالة إلى بروز الحديث عن خطاب حقوق الإنسان بين الخصوصية والعالمية، ويظل هذا الجدل قابلاً للتشكل والتشكيل - بمقدار المساهمة الجادة والواعية من الأطراف الفاعلة - لصياغة مفهوم خاص لحقوق الإنسان يدرك المشترك الإنساني العام بين الحضارات والثقافات (الفطرة بالتعبير الإسلامي) وقادر على تطوير نسق مستقل - على المستوى النظري والعملي - يدرك الخصوصيات المختلفة للحضارات والثقافات.
خطاب حقوق الإنسان على المستوى المحلي:
التطبيع مع العولمة
ليس غرضي من هذا الجزء هو تنبع وضعية خطاب حقوق الإنسان على المستوى النظري (الفكري) والتطبيقي (حركة منظمات حقوق الإنسان) في الواقع العربي، ولكن هدف هذا الجزء هو - فقط - إبراز السمات العامة لخطاب حقوق الإنسان في الواقع المحلي، وأحب أن أؤكد وجود ظلال من الخبرة المصرية على هذا الجزء من المقال وذلك بحكم الانتماء الجغرافي لكاتبه، وتظل الخبرة المصرية لها أهميتها نتيجة أن خطاب حقوق الإنسان فيها متقدم بخطوات كثيرة عن خبرة دول عربية أخرى، وتظل هذه السمات قابلة للتعميم على الخبرة العربية، بل وخبرة دول الجنوب، وهكذا، فإن الخبرة المصرية لها أهميتها في هذا المجال.
1 - المثقفون العرب وتطور اهتماماتهم:
انتقل اهتمام المثقفين العرب من قضية لأخرى على مدار العقود الثلاثة الماضية، ففي سبعينيات القرن العشرين شهد العالم العربي اهتماماً متصاعداً بين طائفة من المثقفين بفكرة الديمقراطية، وبات هؤلاء المثقفون ينظرون إلى الديمقراطية وعملية التحول الديمقراطية على أنها الوصفة السحرية التي ستزول بها كل أسقام وأمراض المجتمع العربي، واستثار الجدل حول الموضوع خيال الكتاب العرب للمساهمة في مناقشات مترامية الأطراف على صفحات الجرائد والدوريات والمجلات المتخصصة التي صدرت في أماكن شتى، كما عقد في الثمانينيات مؤتمرات وندوات وصدرت كتب ومجلدات تناقش مكانة الديمقراطية في المجتمعات العربية المعاصرة، وتحول النقاش والجدل إلى حركة في الواقع السياسي العربي، فشهدنا تأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان سنة 1983، التي أعقبها تأسيس منظمات ومؤسسات قطرية تعني بحقوق الإنسان في بلدانها، ثم تلي ذلك في التسعينيات الانتقال إلى الجيل الثاني من أجيال خطاب حقوق الإنسان، حيث شهدنا زيادة كبيرة في إنشاء هذه المنظمات، وتوسع في نطاق ومجال عملها بحيث أصبح عندنا عدداً من المنظمات المتخصصة [تشير التقديرات إلى أن عدد المنظمات المصرية العاملة في مجال حقوق الإنسان بلغ اثنتي وعشرون منظمة] في موضوعات وقضايا بعينها من قضايا حقوق الإنسان (منظمات للمرأة وأخرى للسجناء وثالثة فكرية فقط..)والمتتبع لنشأة المنظمات المتخصصة في مجال محدد من مجالات حقوق الإنسان يجد أن هذه النشأة مترابطة أساساً بالناشطين في المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، حيث اكتسب هؤلاء الناشطين فيها خبرة ودراية بأطراف ومسالك التمويل، ثم كان انتقالهم من المنظمة المصرية إلى إنشاء منظمات وهيئات أخرى خاصة بهم.
ويلاحظ بحق الدكتور وليد قزيها - أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة - أن كثيراً من المثقفين الذين اهتموا بموضوع الديمقراطية وحقوق الإنسان كانت خلفيتهم علمانية، أو ذات صلة بالحركات الوطنية العربية والشيوعية، وبعزو ذلك إلى انهيار الناصرية وفشل حزب البعث في التصدي لمهام الصحوة الوطنية والاجتماعية وتحرير فلسطين، كل ذلك نزع المصداقية عن حقبة كاملة من الصراع العربي السياسي. لذا، أضحى كثير من المثقفين العرب، بعد إصابتهم بخيبة الأمل والإحباط إزاء تجربتهم السياسية وامتلائهم بالغضب تجاه أداء الأنظمة العربية ينظرون إلى الديمقراطية وعملية التحول الديمقراطي أنها الحل لمشاكل ومعضلات الواقع العربي.
ومع اتساع المناقشة حول الديمقراطية في الثمانينيات ازداد تداول خطاب حقوق الإنسان أكثر فأكثر في الخطاب العربي بالنسبة للشيوعيين والماركسيين والتحرريين من المثقفين العرب، وكان الشيوعيون والماركسيون هم اكثر المثقفين اهتماماً به وبخاصة في التسعينيات، وهذه المرة، ليس نتيجة فشل مشروع دولة ما بعد الاستقلال، ولكن نتيجة سقوط "المشروع الشيوعي" بسقوط الاتحاد السوفيتي، وأراد هؤلاء أن يجددوا مشروعهم السياسي ويضخوا فيه دماء جديدة، فكانت قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني هي المرشحة لضخ هذه الدماء، خاصة أن جزءاً كبيراً منهم قد أدركوا التحولات العالمية بعمق، ورأوا أن هذه القضايا هي أيدلوجية النظام الدولي الجديد فتجاوبوا معها سريعاً. وكان من مقتضيات هذا التجاوب تغيير النسق الفكري والأيدلوجي السابق [المرتكز إلى الاشتراكية] إلى نسق فكري جديد يرتبط بقيم وأفكار الليبرالية.
2 - تداعيات تمويل منظمات حقوق الإنسان :
من أهم عناصر خطاب حقوق الإنسان على المستوى المحلي في جانبه التطبيقي، هو الحديث عن تمويل منظماته وهيئاته، لأنه الحديث عن التمويل لا يعنى الحديث عن موارد إنفاق هذه المؤسسات، بل يعني حديثاً عن مشروعها أولاً، والأجندة التي تعمل وفقاً لها، والأولويات التي تتبناها، والجمهور الذي تستهدفه، كما أنه يرتبط بقضية الخصوصية، خصوصية خطاب حقوق الإنسان، ارتباطاً كبيراً.
ويلاحظ بصفة عامة أن منظمات حقوق الإنسان - فيما عدا المنظمة العربية - اعتمدت في تمويلها على الوارد من الدول الغربية، ولم تستطع أن تطور شبكة تمويلية عربية أو مصرية خاصة بها [ربما يجد ذلك تفسيره في الأطراف والشخصيات العربية المتوقع أن تساهم في تمويل وبناء هذه الشبكة ربما يستعدون حكومات الدول عليهم نتيجة لذلك]، وقد أدى إلى ذلك "تسميم سياسي" بتعبير - أستاذنا الدكتور حامد ربيع - حيث أصبح المشتغلون بحقوق الإنسان - أو جزء كبير منهم - يقومون بقراءة أجندة الممولين (الأجندة الغربية) وتفهم محتوياتها، وصياغة مقترحاتهم للحصول على التمويل الأجنبي الداعم لهذه الأجندة، وقد أدى هذا إلى زيادة عولمة الخطاب الغربي لحقوق الإنسان متمثلاً في الإعلاء من شأن قضايا حرية الرأي والاعتقاد دون النظر إلى ثوابت الأمة، بالإضافة إلى قضايا المرأة التي تم اختزالها إلى بعض القضايا المحدودة ويأتي على رأسها قضايا الختان.
وقد أدت قضية التمويل الأجنبي في منظمات حقوق الإنسان أن هذا الخطاب لم يتحول إلى "خطاب جماهيري" أي يتجاوب مع مطالب جماهيرية حقيقية وتسانده الجماهير، بل تحول إلى "خطاب نخبة". واستمدت هذه المنظمات شرعيتها وحمايتها من الخارج، فخطاب هذه المنظمات يتجه إلى الخارج أساساً الذي تحول إلى أن يكون جهة المساءلة وحامي هذه المنظمات من عسف السلطة المحلية.
إن الدمج بين منظمات حقوق الإنسان الوطنية والعالمية في خريطة الاهتمامات، وأجندة الأولويات، والتوجه بالخطاب …إلخ يجد تفسيره في عاملين هامين الأول: يختص به التمويل، أما الثاني فنجده في الأيدلوجية السابقة التي كان ناشطو هذه المنظمات يعتنقوها، وهي أيدلوجية علمانية غربية أساساً، سمحت لهم بالتحرك من موقع لآخر فيها، أي على نفس الأرضية.
3 - منظمات حقوق الإنسان قوة سياسية وثقافية فوق الدولة والمجتمع، وحكم بين القوى السياسية:
تسعى منظمات حقوق الإنسان في الواقع المحلى مستفيدة في ذلك من شبكة علاقاتها الخارجية (الحماية الدولية) وأزمة الأحزاب السياسية في واقعنا العربي إلى أن تصبح هذه المنظمات حكماً على الدولة والمجتمع، بل وحكماً بين القوى السياسية، فالمنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان تنصب من نفسها وخطابها سلطة فوق الدولة بدساتيرها وقوانينها، وفوق المجتمع بثقافته وتقاليده وأعرافه [ختان الإناث كمثال لتقويمها لثقافة وتقاليد المجتمع]، بل إن هذه المنظمات عادة ما تطرح نفسها كحكم بين الأحزاب السياسية في المجتمع عن طريق تقويم أداء هذه الأحزاب ونشاطها.
إن هذه الممارسة الجديدة في المجال السياسي فيما أتصور تعيد تعريف السياسة في واقعنا، حيث يلاحظ أن السياسة قد اكتسبت في الواقع العربي - متأثرة بالخبرة الغربية - معناً صراعياً حيث يكون كل طرف متصارعاً مع الطرف الآخر، خصماً منه، لتحقيق مصالح حزبية أو تنظيمية أو الوصل إلى السلطة - أية سلطة: أي مكامن اتخاذ القرار.
ولكن هناك نوع آخر من السياسة هي ما أطلق عليها "السياسة الإصلاحية" [بالطبع لا يجسدها ممارسة منظمات حقوق الإنسان القائمة، ولكن يظل خطابها يحمل إمكانية لذلك] والتي يقصد بها توفير البنية الأساسية للممارسة السياسية والتي يعاني العمل السياسي الصراعي من افتقادها، وأقصد بالبنية الأساسية للممارسة السياسية هي ثقافة الحوار والإيمان بالتعددية والثقة في العمل العام والاهتمام به …إلخ أي توفير البنية الاجتماعية والثقافية/ القيمية اللازمة للعمل السياسي. فالمقصد الأساسي من الممارسة السياسية الإصلاحية هو تحقيق حضور الأمة في المجال العام، لأنه بدون هذا الحضور لا يمكن أن يتم تفعيل المجال السياسي، بل وأية مجالات أخرى.
وأخيراً إن فاعلية هذه المنظمات التي يتوقع أن تزيد في المستقبل تطرح قضية مستقبل الأحزاب السياسية في واقعنا العربي التي تعاني من مشاكل جمة قللت من فعاليتها في العملية السياسية، بل تحولت الفاعلية السياسية عنها نحو جهات وأطراف وأشكال أخرى (العصبية - منظمات حقوق الإنسان - الفضائيات…).
وبعد، فإن تحليل بنية وخطاب حقوق الإنسان على المستويين النظري والتطبيقي لا يعنى بحال تخلياً عن المساهمة الجادة والواعية في صياغة خطاب وممارسة حقوقية تنطلق من الخصوصية الحضارية والثقافية لأمتنا وتتأسس عليها، لأن هذه الصياغة أحد الأولويات التي يجب أن ينشغل بها العقل العربي والإسلامي فيخرجنا من الواقع في براثن العولمة أو التطبيع معها، خاصة أننا - كأمة إسلامية، وكفكر إسلامي - مدعون لتحديد وبيان موضوعة حقوق الإنسان من منظور إسلامي

قضايا سياسية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع