الشكوك
كبيرة في احتمال تحويل الصورة التي رسمها
الأمين العام للأمم المتحدة للعالم من خيال
وأمل إلى واقع مشهود، رغم أنّ ما وزّعه
الأمين العام بصدد المستقبل كما أراد إقراره
في القمة الألفية، لم يكن شديد الطموح، وقد
اتخذ شكل بيان أعدّه بعد أن تقرّر عام 1998م
عقد هذه القمة في دورة عام 2000م ، قبيل بدء
المداولات التقليدية في الدورة السنوية
للأمم المتحدة، وقد بلغ حجم البيان أكثر من
ستين صفحة ( انظر بعض التفاصيل في: الحدث يوم
6/9/2000م ) ، ولم يكن فيه أهداف مثالية بعيدة
المنال بالمعايير المنطقية، ولا تضمّن صيغة
من الصيغ الملزمة بإجراءات واضحة المعالم،
وبالتالي لم يكن عسيرًا التوقيع على الوثيقة
الختامية المنبثقة عنه، بغض النظر عن
النوايا المستقبلية من جانب الموقّعين.
على
أي حال، لا ينبغي توجيه اللوم بسبب التناقض
بين الأهداف والواقع، إلى كوفي عنان –وحده-
وإن كان في الواجهة بحكم منصبه، وحتى لو كان
–كما قيل- قد استهدف تحسين سمعة المنظمة
الدولية في عهده ، فيظهر من الجهود
التحضيرية التي استغرقت عامين، ومن حصيلتها
في بيان يزيد على ستين صفحة في سبعة فصول،
وتقارير أخرى من إعداد الأمانة العامة، أنّه
بذل بالفعل أقصى ما يستطيع ليحقق النجاح وفق
المقاييس الموضوعة له والحدود التي يمكن أن
يتحرّك في إطارها .. باعتبار الأمم المتحدة –على
ضخامتها- ليست إلا أداة من أدوات تنفيذ
القرار السياسي والاقتصادي الصادر مسبقًا
أو لاحقًا في عواصم أخرى .. غير العاصمة
العالمية نيويورك.
الانفصام
بين الشعار والواقع
وقد
كان للجانب السياسي والأمني مكانه المحدود
نسبيًّا في المشاورات والوثائق، ولكن
الاهتمام الأكبر تركز على الجوانب
الاقتصادية، وربما تبادر إلى الأذهان أنّ
هذا ما يتفق مع المرحلة الراهنة وما يُبذل من
جهود ويُعقد من مؤتمرات أغلبها يتحدّث عن
مواجهة ما وصلت إليه الأوضاع في الجنوب فقرا
وبؤسا ومرضا وتخلّفا .. إنّما ينبغي النظر في
النتائج عبر عدسة مكبرة لرؤية ما لم يشمله
مفعول الأضواء الكاشفة المسلّطة على "
الحدث الكبير.
أوّل
ما ينبغي بيانه هو أنّ المرحلة الراهنة ليست
مرحلة مكافحة الفقر، بل تتميز منذ نهاية
الحرب الباردة على الأقل بأمرين مترافقين،
هما:
1
- طرح شعارات مكافحة الفقر واتخاذ
إجراءات محدودة لا تكفي للحدّ من انتشاره
فضلا عن تخفيف حدّته.
2
- ترسيخ انتشار العولمة بصيغة تزيد
انتشار الفقر وتزيد عمق الهوة الفاصلة بينه
وبين الثراء مع تحويل الثروة بحد ذاتها إلى
سلاح يقرّر في شؤون البشرية اقتصاديًّا
وخارج الميدان الاقتصادي.
لا
يقتصر هذا على الهوة المعروفة المتفاقمة بين
الشمال والجنوب بل يمتد داخل المجتمع الغربي
كما يظهر مثلا من آخر تقارير وزارة الزراعة
الأمريكية، وفيه ما يفيد وصول الفقر إلى
أكثر من 31 مليون أمريكي يعانون من الجوع (انظر
الحدث: 10/9/2000م ) وبشيء من التأمل في نص بيان
كوفي عنان إلى القمة الألفية وفي نتائجها،
يتبيّن أن هذا الانفصام بين الشعار والواقع
مستمرّ، فرغم تحديد " تواريخ " كمواعيد
زمنية، لتخفيض عدد من يعيش في فقر شديد، تبقى
الكيفية المطروحة دون مستوى أي التزام دولي،
بل إن المواعيد نفسها تلفت النظر كتحديد عام
2015 م موعدًا لتخفيض عدد "البشر" الذين
يعيشون بمتوسط دخل دون الدولار الواحد في
اليوم إلى النصف، أي من 1200 مليون نسمة حاليا
إلى ستمائة مليون نسمة، فهذا الهدف -بغض
النظر عن التوقعات التي ترجّح عدم بذل ما
يكفي لتحقيقه- لا يستدعي التمجيد وإنّما
يمثل بحد ذاته وصمة عار في عمل "الأسرة
الدولية" المزعومة ومنظماتها الكبرى
والصغرى، وبالقوى المتحكّمة في قراراتها،
فبعملية حسابية لا تحتاج إلى " قمة
الألفية " يتبين أنه يمكن الارتفاع بمستوى
معيشة هؤلاء من مستوى الدولار إلى مستوى
الدولارين في اليوم الواحد مثلا، وعلى
امتداد 15 عاما قادمة، بمبلغ يعادل ستة
مليارات وخمسمائة مليون دولار، أي ثمن بضعة
صواريخ أمريكية، ودون كلفة ما تنفق بعض
الدول الغربية سنويًّا وليس خلال 15 سنة، على
إطعام القطط أو الكلاب الأهلية.
خطط
بلا تمويل معلوم
ونجمع سائر
ما ورد من أهداف أخرى مع تحديد مواعيد زمنية،
مثل تمكين سائر الأطفال في العالم من مرحلة
الدراسة الابتدائية قبل حلول عام 2015 م، ومثل
تخفيض عدد الإصابات المرضية بوباء نقص
المناعة الذاتية إلى النصف قبل عام 2010 م على
مستوى الشباب، وإلى النصف عموما قبل عام 2015م،
أو سوى ذلك في الميدان الصحي، ثم نضيف إلى
ذلك ميدان البيئة أيضا .. وسنجد أن مجموع
النفقات المطلوبة، والتي لم يتعهد أحد بها
في قمة الألفية، ولا يعلم الأمين العام
جوابًا عن السؤال من أين سيضمن توفيرها، لا
يوازي عائدات شركة أو شركتين من الشركات
الغربية العملاقة، خلال أقل من عام واحد،
نتيجة إجراءات فتح الحدود في وجهها باسم "
استثمارات أجنبية .. وتجارة حرة"، وهو ما
توصي به وثائق القمة الألفية، وفق الصياغة
التي وضعها كوفي عنان في بيانه، وكان منها
الترويج لمؤسسات مشتركة يجب أن تكون (( ..
بمثابة ساحة تتعاون فيها الدول مع الجهات
الفاعلة غير الحكومية ومن بينها الشركات
العالمية، وفي كثير من الحالات تكون ثمة
حاجة إلى تكملتها بشبكات للسياسات، تكون أقل
اتساما بالطابع الرسمي، ويمكنها أن تستجيب
على نحو أسرع بجدول الأعمال العالمي المتغير
))
توصيات
محققة للأثرياء فقط!!
الفارق بين
هذه التوصية بإنشاء مؤسسات مشتركة والتي
تخدم ظاهرة العولمة لصالح الشركات .. وتوصية
مكافحة الفقر الذي بات تفاقمه من نتائج
ظاهرة العولمة، هو أن هذه "التوصية" من
الناحية الشكلية تتحوّل على أرض الواقع
إلى " قرار " على النقيض من سائر
التوصيات وحتى القرارات ذات العلاقة
بمكافحة الفقر. وليست المشكلة هنا مشكلة
الأمم المتحدة، فما يجري تنفيذه ويتفق مع
مضمون التوصية المذكورة، يجري بوجود الأمم
المتحدة وغيابها، وسواء انعقدت قمة الألفية
أو لم تنعقد، فالتوجّه بالعلاقات
الاقتصادية والمالية عالميا إلى ما وصلت
إليه الآن من خلل خطير على حساب غالبية
البشرية، إنّما بدأ مع تأسيس الأمم المتحدة،
ولكن على " سكة أخرى " منفصلة عن
توصياتها، وتملك ما لا تملكه الهيئة العامة
للمنظمة الدولية من أسباب تنفيذ القرار ..
والمقصود هنا مؤسسات عالمية أخرى مثل صندوق
النقد والبنك الدوليين.
وشروطهما
معروفة وجائرة، وإن أعطيت عناوين مغرية من
قبيل " تطوير البلدان الفقيرة والنامية
" .. والمقصود أيضا العمـل الدائب لوضع
قضايا حاسمة خارج نطاق المنظمات الدولية
الجماعية، فيجري التصرف بها في إطار
العلاقات الثنائية، بين بلدان ضعيفة أو
فقيرة وضعيفة .. وأخرى قادرة على إملاء
إرادتها السياسية والاقتصادية، ومن ذلك ما
يشمل فتح الحدود أمام شركاتها الكبيرة
والصغيرة، وأمام بضائعها الاستهلاكية قبل
الاستثمارية، وأمام استثماراتها بحجة تحقيق
النفع للبلد المستقبل لها، وهي تنقل من
داخله من الثروات أضعاف ما تعد بتحقيقه .. ولا
تحققه إلا نادرا.
حلول
قديمة لأمراض مستعصية
وعند
النظر المفصل فيما أسفرت عنه قمة الألفية في
الميادين الاقتصادية وذات العلاقة، فسيلفت
النظر مثلا:
1
- الحديث عن مكافحة وباء نقص المناعة
الذاتية، بعد أن أصبح انتشاره في مناطق
معينة كالقارة الإفريقية، من أسباب تدهور
اقتصادي حادّ في الوقت الحاضر، ويمكن أن
تزداد حدّته في المستقبل القريب .. والسؤال:
ما الذي قيل وكان ينبغي أن يقال في قمة
الألفية بالذات، ولم يسبق قوله أو يمكن أن
يقال في المؤتمرات السنوية التي تعقد
لمكافحة الوباء، بمشاركة أكبر، ومستوى
تخصصي أقرب للغاية المطلوبة، وبتركيز أدقّ
على الموضوع المطروح، وكان آخر تلك
المؤتمرات في جنوب أفريقيا قبل أسابيع
معدودة من قمة نيويورك الألفية ..
2
- الحديث عن مواجهة تغيير المناخ وتخفيض
منسوب غازات معينة في الغلاف الجوي بمعدل 60
في المائة .. والسؤال: وماذا عن دور مؤتمرات
عالمية بدأت في ريودي جانيرو تحت عنوان
" البيئة والتنمية " ، ووصلت عبر
تفرّعها التخصصي في قضية المناخ إلى
مؤتمر كيوتو في اليابان قبل أقل من عامين،
وما زال مسلسلها مستمرّا ..
3
- الحديث عن مساواة الإناث بالذكور في
سائر الجهود المرتبطة بالتعليم ومنها تأمين
التعليم الابتدائي للأطفال جميعا مع حلول
عام 2015 م .. وما كانت قضية المرأة مهملة في
المؤتمرات العالمية العملاقة على امتداد
التسعينات الميلادية، ولا انقطع العمل في
منظمات دولية من قبيل " اليونيسكو " و
"اليونيسيف" كما اشتهرتا بتسميتهما
الإنجليزية، وعملهما على صعيد التعليم
وصعيد الأطفال والناشئة .. ولا يمكن القول
بعد قمة الألفية إنّ ما تطالب به المنظمتان
كان أقل ممّا دعت قمة الألفية إليه، ولا وجد
دعم من خلالها يمكن أن يغيّر مجرى عمل
المنظمتين الدوليتين ..
إنّ
هذه الأمثلة تدفع تلقائيا إلى السؤال: ما
الفائدة من قمة الألفية إذن؟.. علام انعقدت
وجميع النقاط المطروحة فيها مطروحة من قبل،
وما زالت في منظمات أخرى وعلى مستويات وصلت
عند الحاجة أو الرغبة إلى مستوى القمة أيضا،
ثمّ إننا لا نجد الجواب على التساؤل في
اختلاف أسلوب التقرير ودرجة الالتزام، رغم
مستوى " قمّة " ، إذ لم يتقرّر في
نيويورك بأسلوب آخر غير أسلوب " التوصيات
" غير الملزمة.
صحيح
أن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان
كان حريصا في كلماته وتصريحاته الصحفية
ورسائله فيما يتعلق بقمة الألفية، على
إعطائها قيمة خاصة غير عادية، مثل الحديث عن
" إعادة تشكيل الأمم المتحدة " أو أن
تصنع القمة " فارقا ملموسا في حياة الشعوب
في القرن الجديد " .. ولكن بغض النظر عن عدم
حدوث جديد في هذا الاتجاه أو ذاك، لا ريب في
أنّ كوفي عنان أيضًا يعلم بأن إعادة تشكيل
المنظمة الدولية لا يتحقق في مثل هذه القمة،
بل تجري المفاوضات حولها منذ عشرة أعوام،
ولا يراد تغيير الوضع العتيق القائم منذ
الحرب العالمية الثانية، ما دام أي تغيير
يراعي المعطيات الجديدة سيحدّ من سيطرة
المسيطرين على القرار الاقتصادي وغير
الاقتصادي في الوقت الحاضر.
اقرأ
أيضًا:
-
قمة الألفية تطلق وعودا وردية بمساعدة فقراء
العالم
-
اختتام قمة
الألفية بالدعوة لمساعدة فقراء العالم
-
قضايا الجنوب تفرض نفسها على قمة الألفية
-
على هامش
الألفية: كامب ديفيد جديدة برعاية أمريكية
-
500 اتفاقية دولية
في قمة الألفية اليوم
-
الفساد يهيمن على الأمم المتحدة!
-
عالم جديد بريشة "كوفي عنان"
-
قمة جنيف الاجتماعية: استمرار احتكار
الأغنياء!!
-
الأمم المتحدة: فشلنا في علاج الفقر
والبطالة
-
الأمم المتحدة: الدول الغنية لا تفي بوعودها
للقضاء على الفقر
-80
منظمة ترفض تقرير عنان عن الفقر