 |
|
الملك عبد الله.. لم تجد مطالبات الإسلاميين بلقائه استجابة |
يصف
أحد كبار المسئولين في الحكومة
الأردنية السابقة العلاقة بين الحركة
الإسلامية ومؤسسة الحكم بأنها انتقلت
خلال ما مضى من العهد الجديد من حلف
سياسي إلى حلف أمني، وأن متابعة هذه
العلاقة -التي كانت تتم بشكل مباشر من
العاهل الأردني الراحل الملك حسين
وأركان حكوماته- قد انتقلت إلى
المستويات الأمنية. وهذا -كما يعتقد
هذا السياسي الأردني- تعبير عن تغيير
بعض الأولويات، ومؤشر إلى قَنَاعات
لدى القيادة الأردنية بمكانة ودور
الحركة ونفوذها وكيفية إدارة العلاقة
معها.
وتحاول
الأوساط السياسية، التي تتبنى هذا
الرأي، تعزيز موقفها بالاستدلال على
التواصل الضعيف بين الملك عبد الله
وقيادة الحركة؛ حيث لم تجد المطالبات
العديدة من الإسلاميين بلقاء الملك
أي استجابة، باستثناء لقاءين، تم
أحدهما على خلفية قضية حماس، والثاني
كان بروتوكوليًّا، وحدث في الفترة
الأولى من تولي الملك سلطاته
الدستورية.
لكن
هذا الرأي لا يجد ترحيباً في بعض
أوساط الحركة الإسلامية، وإن كانت
بعض القيادات بدأت تميل إليه، في ظل
استمرار حالة التجاهل وازدياد
الإجراءات التي تعزز هذا الرأي.
ورغم
كل هذا، فإن اقتراب موعد الانتخابات
النيابية، المقرر دستورياً أن تجري
في تشرين ثان/ نوفمبر القادم، قد تفرض
على السلطة التنفيذية إعادة النظر في
مستوى العلاقة مع الإسلاميين،
والتعامل مع الحركة باعتبارها ملفًّا
سياسيًّا، وحركة ذات وزن شعبي، وليست
تنظيماً تجري متابعته ورصد حركاته.
إعادة الحسابات عملية لا
تنتهي
ومما
يزيد من قوة هذا المنطق، التداخل
الكبير بين الانتخابات النيابية،
والعديد من الملفات السياسية
الداخلية والخارجية، وخاصة ما يجري
في الأراضي الفلسطينية، وهذا ما يبرر
بعض المخاوف التي تتبناها بعض
الأوساط الرسمية من أن استمرار
الانتفاضة سيزيد من فرص فوز
المعارضة، وخاصة الحركة الإسلامية،
وستكون الانتخابات النيابية بالنسبة
للحركة فرصة لتعزيز نفوذها وتعويض ما
فقدته من نفوذ وحضور خلال السنوات
الأربع الماضية.
وإذا
كانت السلطة التنفيذية قد حاولت بقدر
استطاعتها إبعاد الحركة الإسلامية عن
معطيات العملية السياسية الداخلية،
فإنها ستكون مضطرة لوقف هذا في الموسم
الانتخابي، وفي كل حوار أو نقاش أو
دائرة صنع قرار سيكون الإسلاميون
الحاضر الغائب، وفي كل الخيارات
السياسية والدستورية سيكون على أصحاب
القرار استحضار الحركة بسؤالين
أساسيين: الأول: هل ستشارك الحركة في
الانتخابات القادمة متجاوزة قرار
المقاطعة؟ والسؤال الثاني: هل ترغب
السلطة التنفيذية بحدوث هذه المشاركة
أم لا؟ وفي كلا الخيارين يثور تساؤل
ثالث، هو: ماذا على الحكومة أن تمارس
من إجراءات لتعزيز كل خيار؟
هل ترغب الحكومة في مشاركة
الإسلاميين؟
وفي
الحديث عن الانتخابات تبرز
الاحتمالات التالية:
1-
أن
تجري في موعدها الدستوري في تشرين
ثان/ نوفمبر القادم، وفق القانون
الحالي، القائم على الصوت الواحد،
دون إجراء أي تعديل.
2-
أن
تجري في موعدها مع إجراء بعض
التعديلات الإجرائية والإدارية،
مثل: تخفيض سن الناخب من 19 إلى 18
عاماً، وإعطاء السلطة القضائية حق
الإشراف على الانتخابات.
3-
وضع
قانون انتخابات جديد يتضمن تعديلات
في عدد أعضاء المجلس، وتوزيع
الدوائر الانتخابية، بحيث يمكن أن
يكون لكل دائرة مقعدان، وهذا يخفف
من آثار فكرة الصوت الواحد، وهذا
الاحتمال تتبناه الحكومة ومجلس
النواب؛ لأنه يحقق لهما مصلحة في
التمديد للمجلس الحالي عاماً على
الأقل، ويزيد من احتمالية استمرار
عمل الحكومة.
4-
أما
الخيار الرابع؛ فيقوم على إعداد
مشروع قانون جديد، مع تأجيل
الانتخابات من 4- 6 أشهر فقط، بحيث
تجري في شهر نيسان/ إبريل القادم
على أبعد تقدير.
ومن
بين الخيارات المطروحة، يبدو
الخياران: الأول والثاني، أقرب إلى
تعزيز قرار المقاطعة لدى الإسلاميين؛
فتصريحات قياديي الحركة تؤكد أن
المقاطعة مستمرة ما دام قانون
الانتخاب الحالي كما هو، وبالتالي
فإن نزوع السلطة التنفيذية إلى هذين
الخيارين مؤشر إلى عدم الرغبة في
مشاركة الإسلاميين.
أما
الخيارات الأخرى؛ فإنها قادرة على
إعطاء قيادة الحركة فرصة لإقناع
القواعد والجماهير بأن أسباب
المقاطعة قد زالت، وبالتالي فإننا
سنكون على موعد مع عودة الحركة للساحة
النيابية.
وفي
أوساط السلطة التنفيذية لا يبدو- حتى
الآن- أن الأمر قد حُسم؛ ولهذا فإن
قيادة الحركة الإسلامية تحجم عن
إعلان المواقف، كما أنها لم تقم بأي
إجراءات داخلية استعداداً
للانتخابات، وهذا يشير بوضوح إلى أن
الأوساط والمؤسسات القيادية ستدخل
حالة مخاض عسير قبل أن يستقر الأمر
على المشاركة أو المقاطعة، والصمت
الداخلي ليس فقط انتظاراً لما سيستقر
عليه القرار الرسمي، بل تأجيل حوار،
وربما يكون خلافًا داخليًّا لا يقل
عما عاشته الحركة عام 1997 قبيل
الانتخابات الماضية.
مواقف الإسلاميين
وإذا
انتقلنا خطوة إلى داخل أروقة الحركة
الإسلامية، فسنجد أننا أمام عدة آراء:
1-
المشاركة تحت أي ظرف، ويعتمد هؤلاء في
موقفهم على أن قرار المقاطعة قد ألحق
ضرراً بالغاً بالحركة وحضورها.
2-
المقاطعة على قاعدة أن أسباب مقاطعة
انتخابات عام 1997 ما زالت قائمة، ولم
يتغير فيها شيء. ويعزز هؤلاء موقفهم
بأن السنوات الأخيرة شهدت استهدافاً
من قبل الحكومات للإسلاميين، كما حدث
في قضية قادة حماس، ولجنة مقاومة
التطبيع النقابية، وما حدث مؤخراً في
مسيرة "صويلح" ومهرجان المحطة؛
حيث تعرُّض قادة الحركة للضرب
والاعتقال.
3-
الحياد، واتخاذ موقف في ضوء
المستجدات. وهذا الفريق يمكن أن ينحاز
إلى أي من الفريقين السابقين، وإن كان
البعض يعتقد أن عمليات التضييق التي
تُمارس على الحركة قد تجعله أقرب إلى
دعاة المقاطعة.
العلاقة بين الحكومة
والإسلاميين.. تصعيد وتحدٍّ
وإذا
عدنا إلى إطار العلاقة بين السلطة
التنفيذية والإسلاميين، فإن علينا
تذكر ما يلي:
-
تخفيض
سقف الاهتمام والرعاية التي كان
يوليها القصر في فترة حكم الملك
الراحل، وإحالة الملف على الأجهزة
الأمنية أو الحكومة على أقصى مستوى.
-
المحطات
التي ظهرت فيها بوضوح الرسائل
القاسية من السلطة التنفيذية،
ومنها قضية قادة حماس، التي
اعتبرها المراقب العام للإخوان "عبد
المجيد الذنيبات" في حينه إهانة
للجماعة.
-
تعرُّض
نشاطات الحركة للتضييق وتعمد إهانة
رموز الحركة واعتقالهم كما حدث
مؤخراً.
-
استمرار
تحجيم الإسلاميين في الجامعات التي
تشكل أحد معاقلهم.
-
مشروع
قانون الأوقاف، الذي يناقشه حالياً
مجلس النواب الأردني، وترى فيه
الحركة تضييقاً عليها واستهدافاً
لها.
-
عمليات
الاعتقال لأعضاء لجنة مقاومة
التطبيع النقابية التي يقودها أحد
قادة الجماعة، والتي اُعتبرت رسالة
قاسية تعبر عن عدم الرضا عن موقف
الإسلاميين من التطبيع.
ومن
المفيد أن نستذكر أيضاً أن أوساطاً في
السلطة التنفيذية تدرى ضرورة "تأديب"
الحركة الإسلامية على موقفها
النِدِّي للحكومة في شهر أيار/ مايو
الماضي حين أصرت الحركة على تنظيم
مهرجان خطابي في العاصمة، رغم رفض
وزارة الداخلية. وترى هذه الأوساط أن
إقدام الحركة على تحدي القرار الرسمي
يمثل محاولة لكسر هيبة الدولة، وهذا
ما يستحق -من وجهة نظر هذه الأوساط-
مزيداً من الضغط والتحجيم.
حيرة وتردد من الطرفين
وكما
أشرت سابقاً، فإن القضايا الداخلية
والخارجية تتداخل؛ ففي الوقت الذي
تعتقد بعض الأوساط الحكومية أن
الحفاظ على الاستقرار الداخلي في ظل
تصاعد التوتر في فلسطين يفرض استرضاء
الإسلاميين في فلسطين واستثمار (رشدهم)
وعقلانيتهم؛ لضمان ضبط الشارع
الأردني، ترى أوساط أخرى أن هذا
الاسترضاء يعني إعطاء الإسلاميين
حضوراً شعبياً، ويسمح لهم ببعض
النشاط. وهذا يعني إعطاءهم فرصة
للتواصل مع المواطنين، واستعادة
شعبيتهم، والاستعداد للانتخابات
النيابية القادمة. وهذا في حد ذاته
أحد المخاوف الأساسية، وهو استثمار
الإسلاميين للحالة السياسية
الإقليمية لحصد الأصوات والمقاعد في
مجلس النواب القادم.
الخلاصة
في
ظل المعطيات السابقة، يتبين لنا عدة
أمور هامة:
1-
إن
الظرف السياسي الحالي الداخلي
والخارجي يعيد للحركة بعض الحضور
على طاولة أصحاب القرار بحسابات
أمنية وسياسية، لكنه لن يغير من
التوجه شبه الإستراتيجي الذي
يتبناه العهد الجديد في التعامل مع
الحركة الإسلامية.
2-
إن
الانتخابات القادمة ستكون محطة
صعبة لكل من الحكومة والإسلاميين
على حدٍّ سواء؛ فالحكومة حائرة في
تفضيل مشاركة الحركة أو غيابها،
وأوساط الحركة القيادية ترى صعوبة
في تجاوز مرحلة اتخاذ القرار
بالمشاركة أو المقاطعة. وإذا توافق
خيار الطرفين، فإن المشكلة ستكون
أمام الحكومة في الحجم الذي ستعطيه
العملية الانتخابية للإسلاميين.
وهذا الحجم سيكون عبئاً على السلطة
التنفيذية طيلة سنوات المجلس
الجديد.
إن
الانتفاضة الفلسطينية قد زادت من
العبء السياسي والأمني على الحكومة،
والإسلاميون أهم أشكال هذا العبء،
وخاصة في ظل إصرارهم على التواجد
والتعبير واستثمار الحالة، وربما
سيعزز هذا الأمر ما يعتقده البعض من
ضرورة الاستمرار في تحجيم الحركة
وحصرها في أضيق الحدود السياسية
والشعبية.
اقرأ
أيضاً:
|