 |
|
مظاهرات البربر في الجزائر |
لم
يكن البربر في حاجة لأكثر من مقتل أحد
القبائليين وهو تحت حراسة قوات الأمن
الجزائرية؛ لكي يعاودوا فوراتهم
الصاخبة التي يوجهونها ضد المجتمع
الجزائري بكافة رموزه وقياداته
ومؤسساته وأفراده. فلم يفلح اعتذار
قوات الأمن الجزائرية - وهو الشيء
النادر إلى حد ما- عن هذا الحادث، في
تهدئة ثورتهم العارمة وهم الذين لم
يحركوا ساكناً لمقتل المئات من
الجزائريين غير القبائليين طوال
السنوات الماضية.
والتحرك
البربري العنيف- رغم أنه لا يمثل
ظاهرة جديدة في سياق سيناريو العنف
الجزائري الممتد- يمثل أحد أهم مدخلات
الاضطراب في مجمل المنظومة
الجزائرية؛ فالبربر يمتلكون أوراقاً
متعددة وحساسة يستخدمونها - أو يتم
تحريضهم على استخدامها - لإحراج
النظام الجزائري أو للإطاحة به عند
اللزوم.
فتارة
يتم التلويح بمسألة اللغة الأمازيغية
التي يطالب البربر باعتمادها لغة
رسمية للبلاد (على الرغم من أنها لغة
شفوية تقرأ ولا تكتب)، وتارة يتم
التهديد بضرورة إقصاء الإسلاميين
وممثليهم من التشكيل الحكومي كشرط من
جانبهم للتعاطي الإيجابي مع النظام
الحاكم والعملية السياسية برمتها،
وتارة يهاجمون النظام بدعوى أنه لا
يتيح لهم المشاركة الديموقراطية
الكافية، وتارة تتم المطالبة ببذل
عناية خاصة بمنطقة الشرق الجزائري
معقل القبائليين، وحل المشكلات
الاجتماعية المتنوعة لدى شباب البربر.
وعلى
الرغم من أن البربر يمتلكون تمثيلاً
سياسياً واقتصادياً رفيعاً (عبر
نخبتهم الفرنكوفونية) ولديهم حزبهم
المشارك في الائتلاف الحكومي (حزب
التجمع من أجل الثقافة
والديموقراطية؛ قبل أن يعلن انسحابه
من الائتلاف)، فإنهم دومًا ما ينتهجون
الشكل الصاخب في المشاركة السياسية،
ويحوّلون أي مطلب أو احتجاج سياسي من
جانبهم إلى ثورة دموية حقيقية
يوجهونها ضد المجتمع والدولة.
لا
يمثل السلوك البربري المتمرد مجرد
ظاهرة شَرْطية تشتعل متى توافرت
الأسباب الموضوعية لاشتعالها، ولكنه
يمثل حصيلة ميراث تاريخي مضطرب،
تنوعت تفاصيله وتداخلت أبعاده بما
أسفر عن توليد هذه الشخصية البربرية
الفوضوية النزعة العنيفة المسلك،
التي لا تتناسب ردود فعلها في معظم
الأحيان مع الأزمات أو المواقف التي
تتعاطاها، والتي يسهل تهييجها بفعلٍ
متعمد لخلخلة التوازن الهش داخل
المجتمع الجزائري.
أصابع
فرنسا
وتمثل
المرحلة الاستعمارية الجزء الأهم في
هذا الميراث التاريخي المشحون. فلا
يكاد يوجد خلاف على أن الاستعمار
الفرنسي قد نجح في التغلغل داخل
الوجدان الثقافي للقبائل البربرية،
مستغلاً في ذلك الحزازات البربرية
تجاه القومية العربية، أو هو نبش في
هذه الحساسيات مصوراً إياها على أنها
كانت "محور جهاد الأقلية البربرية
في مواجهة المستعمر العربي المسلم
الذي فرض لغته وديانته بين أبناء
القبائل المستضعفين، وذلك على حساب
خصوصيتهم البربرية ولغتهم
الأمازيغية"، الأمر الذي تجسد
بوضوح في المزاج الفكري والنفسي
للبربر، وساهم في تشكيل ما يعرف
بالقضية البربرية، وذلك منذ اليوم
الأول لحصول الجزائر على استقلالها.
ولكن
أغرب ما في هذه القضية البربرية أن
المستعمر الفرنسي نجح في خلق حالة
الرفض القبائلي ضد كل ما هو عربي أو
إسلامي ليس لصالح البربرية أو
الأمازيغية وإنما لصالح
الفرنكوفونية؛ ولذا أصبح أبناء
القبائل هم عماد ما يطلق عليه في
الجزائر اسم "حزب فرنسا"، الذي
بات يعبر عن تيار اجتماعي وثقافي
وسياسي مضاد للتيار الجزائري العام،
وذي ولاء يتحدد في كثير من الأحيان
بما يجري على الضفة الأخرى من البحر (فرنسا).
هذا
الوعي البربري المشحون؛ والمفتعل في
قدر كبير منه؛ هو ما يسهّل من عمليات
التعبئة الملتهبة للقبائليين ضد كل
ما يصور لهم على أنه انتقاص لثقافتهم
أو إهدار لحقوقهم أو تهميش لدورهم.
فقد نشبت اضطرابات مماثلة قبل ثلاثة
أعوام، بمناسبة دخول قانون التعريب
حيز التنفيذ، وفاقم من هذه
الاضطرابات في حينها اغتيال المطرب
البربري "معطوب الوناس" الذي كان
مناوئاً للقوى والرموز الجزائرية
القومية والحزبية كافة، وكان في
الوقت ذاته رمزاً للشخصية البربرية
المتمردة والناقمة على المجتمع
والسلطة.
الأمر
الذي أسهم في حينه في تسريع سيناريو
الأحداث بشكل لم ينجح النظام
الجزائري في تسكينه إلا عبر قيام
الرئيس الجزائري الأمين زروال بتقديم
استقالته درءاً لما قد يسفر عنه هذا
التسارع المحموم من عواقب.
ويجيد
القبائليون استلفات الأنظار إليهم
عبر المظاهرات العنيفة التي ينظمونها
أو بالأحرى يشنونها ليس فقط ضد النظام
ورموزه، ولكن أيضاً ضد الإسلاميين
المتشددين أو حتى ضد أولئك الموسومين
بالاعتدال ممن يعملون داخل إطار
المشروعية السياسية.
ويمثل
هذا الهجوم المزدوج بنداً ثابتاً في
القاموس الشعبي للجماعات البربرية،
وكذا في القاموس السياسي للحزب
البربري الأساسي؛ "التجمع من أجل
الثقافة والديموقراطية"، الذي
يندد رئيسه الراديكالي "سعيد سعدي"
دومًا بالنظام الجزائري لافتقاده
الديموقراطية، ويطالب – من ثم –
بإقامة ديمقراطية جزائرية تقصي
التيار الإسلامي الذي لا يمكنه أن
يكون ديموقراطياً من وجهة نظره!.
مغزى
الهتاف لحسان خطاب
هذا
العداء الهيكلي والتكويني بين البربر
وممثليهم من الفرنكوفونيين من جهة
والتيار الإسلامي المعتدل والمتشدد
من جهة أخرى هو ما يجعلنا نتريث قبل
تقييم المسلك البربري الشاذ الذي
تبدى أثناء فورتهم الأخيرة، وتمثل في
ترديدهم الهتافات المؤيدة للجماعة
الإسلامية المسلحة وزعيمها "حسان
حطاب"، الذي وصفه البعض بأنه بداية
انحياز بربري لموقف الجماعة
الإسلامية.
فمثل
هذا التقارب الوهمي لا يعدو أن يكون
مجرد تهديد ذي صبغة إرهابية للنظام
الجزائري، وذلك بالتلويح بإمكانية
انتهاج البربر نفس الخط المسلح الذي
تسلكه جماعة حسان حطاب، علماً بأن
منطقة القبائل كانت من أوائل المناطق
التي تولى الجيش تسليحها إبان انفجار
مسلسل العنف في مطلع التسعينيات؛
الأمر الذي يعنى أن البربر ربما لن
تعوزهم الذخيرة الحية إن هم فكروا في
اتباع مثل هذا السيناريو المسلح.
وكان
القبائليون قد أطلقوا نفس هذا
التهديد بشن العمل المسلح ضد النظام
والمجتمع في أخريات عهد الرئيس
السابق الأمين زروال، عندما تسرب
بيان يعلن عن تشكيل ما عرف حينها
بالحركة البربرية المسلحة، وهو الأمر
الذي أعلن الرئيس زروال بأنه لن
يتهاون معه إن هو ترجم إلى واقع، على
اعتبار أن تحول القبائليين من أعمال
التخريب إلى أعمال الاغتيال،
وانتقالهم من نمط المظاهرات العنيفة
إلى نمط الإرهاب المسلح، يعني ببساطة
انتقال الجزائر من نمط العنف
الداخلي؛ الذي يستفرغ معظم إمكاناتها
وطاقاتها؛ إلى نمط الحرب الأهلية
الحقيقية، وهو الأمر الذي يمكن؛ إذا
تحقق؛ أن يودي بالدولة الجزائرية
بشكل كامل.
النخبة
الفرانكفونية.. الغائب الحاضر
وإذا
كانت الأحداث التي تشهدها منطقة
القبائل تجذب الانتباه إلى القضية
البربرية وإلى العنف القبلي الذي تعج
به ـ فإن الغائب الحاضر في هذا السياق
تمثله النخبة الفرنكوفونية التي تنشط
في مناطق الظل، وتنجح في معظم الأحوال
في توظيف الأحداث المأساوية التي
تشهدها البلاد في الاتجاه الذي يحرك
التوازن لصالحها داخل دوائر السلطة.
فمن
المعلوم أن الفرنكوفونيين يسيطرون
على العديد من القطاعات الإدارية
والاقتصادية الهامة في البلاد، كما
يتحكمون بدرجة كبيرة في مؤسسة
الإعلام، ويمارسون من خلال هذه
المواقع نفوذاً هامًا، مستغلين في
ذلك ما يربطهم بجنرالات الجيش من
علاقات اقتصادية وثيقة، كما يستغلون
علاقاتهم العضوية مع فرنسا، التي
تستجيب بحساسية شديدة للتحركات
البربرية وبشكل يفصح دومًا عن خصوصية
منطقة القبائل بالنسبة للمستعمر
القديم.
ولذا،
فإن التحرك الأخير للبربر يمكن أن
ينظر إليه على أنه نذير سلبي الأثر
على التوازن المعقد الذي نجح الرئيس
عبد العزيز بوتفليقة في إقامته داخل
هرم السلطة في الجزائر منذ اعتلائه
لقمته، فتحرك البربر لا يمكن القطع
بأنه يتم بمعزل عن الأدوار الخفية
التي تمارسها النخبة الفرنكوفونية.
كما
أن الحركة المسرحية التي قام بها حزب
"التجمع من أجل الثقافة
والديموقراطية" بالإعلان عن
الانسحاب من الائتلاف الحاكم يمثل
ضربة معنوية للنظام الجزائري وللرئيس
بوتفليقة، الذي تحاشى معاداة
الفرنكوفونيين منذ بداية توليه لمهام
منصبه، كما قام بتقريب العديد من رموز
هذا التيار، وهو الأمر الذي ظهر لكثير
من الإسلاميين على أنه مقدمة لانحياز
ملحوظ لحزب فرنسا على حساب أحزاب
الداخل الجزائرية.
ولكن
حزب التجمع رغم ذلك قد اتهم النظام
بالتراخي في معالجة الأزمة، كما اتهم
رجال الأمن بالإفراط في استخدام
القوة تجاه شباب القبائل الذين
حركتهم ظروف الكساد والبطالة التي
يعانون منها أكثر من أي شيء آخر.
ومما
يجدر استحضاره في هذا الخصوص أن فورة
البربر الأولى إثر اغتيال الوناس قبل
ثلاث سنوات كانت من ضمن العوامل التي
أرجع لها الكثير من المحللين في حينه
تقديم الرئيس الأمين زروال
لاستقالته، فقد ذهب هؤلاء إلى أن
الرئيس الجزائري لم يستطع أن يجاري
النخبة الفرنكوفونية التي تربصت به
منذ وصوله للسلطة وبدئه الحوار مع
الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
هذه
النخبة- وفقاً لهذا الرأي- تمكنت في
نهاية المطاف من إجبار زروال على
التنحي بعد أن نصبت له كمائن يتعذر
تخطيها من دون التحمل بتكاليف باهظة.
وقد بلغ التوتر أشده بعد مصرع الوناس
في ظل ظروف كانت مواتية لتفجر الأوضاع
بشكل يصعب على الرئيس التحكم فيه.
وتأتي
الفورة الثانية متزامنة مع تصريحات
قلقة للرئيس بوتفليقة يشتكي فيها من
تزايد التدخلات التي تعوقه عن ممارسة
مهامه على النحو الذي يراه محققاً
لمصلحة الجزائر. فقد صرح للصحافيين
بأنه لا يدري كيف يمكن الانصراف إلى
إدارة شئون الدولة، والإرهابيون
مستقرون في معاقلهم بالجبال؛ في
تلميح منه إلى ضغط بعض الأطراف نحو
تجميد عمليات الملاحقة التي يمارسها
الجيش الجزائري ضد المسلحين، بما
يؤدي إلى أن يظل ملف العنف مفتوحًا
دون حل جذري.
هذا
التزامن المتكرر بين تزايد العقبات
والإحاطات التي يجدها رئيس الدولة
الجزائرية في مواجهته وبين التحركات
الفوضوية للقبائليين هو ما يجعل
العديد من المراقبين يعتقدون
بإمكانية أن تكون التحركات البربرية
تحركات موجهة ومقصودة في توقيتات
بعينها، وذلك لتحريك الأحداث على أرض
الواقع بشكل يعكس ويترجم التغيرات
التي تشهدها توازنات القوى داخل
دوائر السلطة الرسمية وغير الرسمية.
بوتفليقة..
يد حديدية في قفاز حرير
ولكن
سواء أكانت التحركات البربرية تمثل
جزءاً من نمط عام للعنف أو رد فعل
للعبة التوازنات داخل النظام، فإنها
لا ينبغي أن تمثل مفاجأة للرئيس عبد
العزيز بوتفليقة؛ الذي وصل إلى سدة
الحكم على أصداء مشاغبات مماثلة إن لم
تكن أعنف أثراً وأخطر مدى من التحركات
الحالية؛ ولذا فإنه يفترض في الرئيس
الجزائري أن يستفيد من تجربة سلفه،
وأن يظهر من الحنكة ما يستطيع به
امتصاص الغضب البربري.
فمن
المعلوم أن زروال قد اكتفى بالتوعد
اللفظي بالضرب بيد من حديد على أي
تحرك مسلح في منطقة القبائل، ولكنه
وبفعل توازنات السلطة المعقدة لم
يتحرك جديًا لوقف تمرد البربر، الأمر
الذي أسهم في تسريع سيناريو الأحداث
على النحو الذي كان زروال نفسه ضحيته.
أما
بوتفليقة، فإنه يبدو في هذه الأزمة
كما لو كان يسلك مسلكاً أكثر دهاءً
وحرصًا في الوقت ذاته، فهو لم يدن
ثورة البربر إعلاميًا، ولم يتوعد
بالرد بقوة على غرار ما فعل سلفه،
ولكنه عمل على ألا يتفلت الأمر من يده
على أرض الوقع، كما بدا من مسلكه أنه
قد قيم هيبة الدولة في هذه الأزمة
بشكل أكبر من تقييمه لازدياد درجة
العنف، فالمتصور والحاصل أن بوتفليقة
قد أعطى الضوء الأخضر لقوات الأمن
الجزائرية للتعامل الملائم مع
المشاغبين، وهذه السياسة غير المعلنة
هي التي استشفها حزب التجمع، وأعلن
على ضوئها انسحابه من الحكومة.
وعلى
أية حال، فإن أزمة البربر تعد من
الأزمات القليلة التي يمكن أن تدفع
الرئيس الجزائري إلى الإفصاح عن
نواياه بشكل صريح بل وربما أيضاً
إجباره على التخلي عن مناوراته لصالح
سياسة أكثر وضوحاً تتعامل مع واقع
ملتهب لا يكل القبائليون من زيادة
إشعاله.
ولهذا،
فإن الظهور الإعلامي على شاشات
التلفزة وتوجيهه التعازي إلى أسر
الضحايا، فضلاً عن إعلانه عن نيته
لتشكيل لجنة مستقلة لتقصي الحقائق،
كل هذا يشير إلى إدراك الرئيس
الجزائري لحجم المشكلات التي يمكن أن
تأتيه من الشرق وضرورة التعامل
المباشر معها. ولكن يبقى أن تعازي
بوتفليقة وكلماته المواسية لا يمكنها
أن تستوعب كل طاقة العنف البربري، أو
أن تمثل حلاً دائماً لأزمة تكوينية
لدى القبائليين الذين لن يرضوا بأقل
من تعديل دستوري أو تغيير نظامي
يشعرهم بنوع من التقدير أو التعويض
الملائم من وجهة نظرهم.
اقرأ
أيضاً:
|