 |
|
جانب من مدينة تشيجو |
أعادت
ذكرى وصول أول سفينة غربية إلى السواحل
الكورية - قبل 214 عاما تحديدا- فتح ذاكرة
الأيام، في الوقت الذي تريد الحكومة
الكورية الجنوبية أن تجعل من الجزيرة
التي كانت أول ما رآه الأوروبيون من
بلادهم ذات مكانة ثقافية وسياحية
واقتصادية مهمة آسيويا ودوليا، على
الرغم من أن الكثير من سكان العالم لم
يسمعوا بجزيرة "تشيجو"، أو "جيجو"،
أو "تشيجودو".
تُعد
جزيرة تشيجو أكبر الجزر التابعة
لكوريا الجنوبية، وتتميز بموقعها
الجغرافي الفريد؛ حيث تقع في مقابل
الرأس الجنوبي لشبه الجزيرة الكورية،
أو في الجنوب الغربي من بحر شبه
الجزيرة، وتتوسط اليابان في الشمال
الشرقي، والصين غربا وتايوان في أقصى
الجنوب الغربي، ومساحتها 1845 كم مربعا،
يقطنها 530 ألف نسمة.
وككثير
من مناطق كوريا الجذابة؛ فإن جبالا
بركانية تتوسط الجزيرة، وترتفع إلى 1950
مترا فوق سطح البحر، فيما يسودها مناخ
محيطي صيفا، وقارِّيّ شتاء، ويعم
الاخضرار كثيرا منها؛ حيث تحوي 1800 نوع
من النباتات القطبية وشبه الاستوائية
مع تنوع في الثروة السمكية والمياه
الزرقاء الصافية.
ولقدم
الحياة البشرية في الجزيرة فإنها متحف
لآثار قديمة تجذب البوذيين
والكونفوشوسيين إليها المشتاقين
للتعرف على تاريخ حضارات دينهم
القديمة وبقايا آثار حكم المغول
واليابانيين والصينيين لها، وهذا كله
جعلها منتجعا سياحيا كبيرا يهوي إليه
السياح من شرق آسيا والعالم.
عاش
الإنسان في كوريا حسب الآثار المكتشفة
في مدينتها منذ عصر ما قبل التاريخ،
لكن تحديد أصول الدول التي تأسست غير
معروف بدقة مع اشتهار قصص لأبطال
أسطوريين عاشوا في أزمنة بعيدة فيها في
الأدب الكوري القديم، كما تأسست دول
قبلية صغيرة أقل حضارة وسلطة من دول
كبيرة أخرى حكمت تشيجو بعد عام 1100
ميلادية، وعرفت اسمها الحالي في عام 1105
عندما غزاها الصينيون، وحكمها المغول
لمدة قرن، وفي عصر إمبراطورية تشوسون
تحولت الجزيرة إلى منفى للعلماء
والمفكرين والسياسيين المعارضين
الذين نشروا الكونفوشوسية فيها،
وتطورت ثقافة السكان حتى تحولت إلى
إقليم مستقل عام 1653م.
تشيجو
أول ساحل كوري وصله الغربيون
الزائر
لكوريا الجنوبية اليوم يلاحظ قوة موجة
التغريب الثقافي، وحتى التنصير وترك
الأديان الآسيوية القديمة، ولقد كانت
تشيجو محط وصول أول "المستكشفين"
الغربيين في 21/مايو/1787 ضمن تطوف بحري
دام 4 سنوات؛ فالسفن الفرنسية حطت
رحالها عن السواحل الجنوبية للجزيرة،
ثم بدأت تتجه إلى الشمال الشرقي نحو
شبه الجزيرة الكورية للتعرف على
الساحل الشرقي لها والبحر الذي يفصل
بين كوريا واليابان، وكان ملك
الفرنسيين آنذاك قد أمر في أغسطس 1785
أسطوله المتجه إلى الشرق الأقصى أن
يكتشفوا أقصر الطرق البحرية التجارية
وأقربها إلى السواحل المطلة على
المحيط الهادي للربط بين أوروبا وأقصى
الشرق المقصود به كوريا واليابان من
المحيط الهادي اتجاها نحو الشمال.
وبالرغم
من أن خرائط العالم المتوافرة آنذاك قد
رسمت بحر كوريا المعروف اليوم، لكن
البحارة الأوروبيين لم يبحروا فيه؛
فلقد كانت كوريا متصورة عندهم على أنها
الأرض المحرمة بعد أن سُجن هولنديون
فيها لمدة 13 عاما في أواسط القرن الـ17،
ولم تجذب كوريا وما وراءها من السواحل
رغبة تجارية أوروبية؛ حيث كانت مجهولة
بالنسبة لهم فيما عدا المعلومات غير
المباشرة التي وصلت إليهم عن طريق
المنصرين في شرق آسيا آنذاك، وبالرغم
من هذا الجهل بحقيقة أمرها فإن
المكتشفين الفرنسيين لم يكونوا
جادِّين في معرفة الكثير عن كوريا؛
لأنهم كانوا يتصورون أنها مسكونة من
قِبل "شعب ذي سلوك بربري تجاه
الأجانب والغرباء"؛ ولهذا السبب
نفسه تأخر وصول الأوروبيين إلى سواحل
وأدغال آسيوية أخرى.
وفي
عام 1797 طبع جون فرانسيس لابيروز
مذكراته وما سجله في كتاب من 17 مجلدا ضم
كذلك رسوما وخرائط لجزيرة تشيجو، وهي
المرة الأولى التي يجري مسح علمي
للجزيرة، ووصفها في سجل مشاهداته
بأنها رائعة الجمال وخلابة المناظر
قائلا: "في 21 مايو وصلنا إليها،
فوجدنا أجمل مناخ يمكن تصوره، وأروع
مناظر يمكن ملاحظتها ... وتنوع النباتات
وتلونها بألوان زاهية تجعل الجزيرة
أكثر من مجرد ممتعة". وتُرجم سجل
مشاهداته إلى الإنجليزية عام 1994، لكن
لابيروز لم يحاول أن يرسي سفينته في
الجهة التي حاول الهولنديون قبله
الوصول منها إلى الجزيرة خوفا على
رجاله؛ ولذلك لم يقترب بسفنه الكبيرة
إلى الساحل، ولكنه استقل مع أصحابه
قوارب صغيرة، وبالفعل واجه انتباه
السكان إليهم وانتشار خبرهم "المخيف"
بينهم وإطلاقهم إشارات نارية تحذيرية
من الأبراج على طول الساحل لتنبيه
السكان من "خطر الغرباء القادمين"
الذين جلبوا معهم هدايا، وراحوا
يتوددون تدريجيا للكوريين.
وقد
كانت تشيجو نقطة انطلاق نحو بحر كوريا،
ثم انطلقت إلى السواحل الشرقية
الشمالية لليابان حتى وصلت إلى مضيق
بين جزيرتين كبيرتين معروفتين حاليا
باسم "سخالين" التابعة لروسيا
وهوكايدو التابعة لليابان، وسمى
لابيروز المضيق باسمه على عادة
المكتشفين الأوروبيين الذين يدعي كثير
منهم أنهم هم أول من وصل إلى تلك
المناطق، وتعرف على سكانها!!
مرحلة
متأخرة
ولا
يمكن فصل توجه الأوروبيين إلى السواحل
الكورية عن دوافع انطلاق حركة
الاستكشافات المبكرة من أوروبا
النصرانية المعروفة الدوافع منذ القرن
السادس عشر؛ فملوك أوروبا وقادتها
بدءوا يسعون للتوسع فيما رواء الهلال
الأخضر الإسلامي المحيط بهم للإحاطة
بالشعوب المسلمة من الشرق والغرب،
واتجاههم إلى أقصى الشمال الشرقي
لآسيا تكملة للبحث عن الثروات الطائلة
التي اعتقدوا وجودها مبكرا في أراضيها
الشاسعة، وبعد تعرفهم على ما يمكنهم
شراؤه ونهبه من ثروات آسيا كما فعلوا
بإفريقيا، كان همّ أساطيل دول أوروبا
البحث عن طرق بين شرق آسيا وأوروبا دون
المرور بالسواحل العربية الإسلامية
تزامنا مع التوسع البرتغالي والأسباني
في "العالم الجديد".
ثم
جاء القرن الثامن عشر، وبعد التغيرات
الفكرية والعلمية التي شهدتها أوروبا
لتبدأ موجة جديدة من التوسع الأوروبي،
وكان منها رحلات لابيروز الذي حمل معه
مجموعة من العلماء والأكاديميين في
النحت والفلك والجيولوجيا والطب
والنباتات والفيزياء وغيرها، وتابع
الفرنسيون الأسبان في التوسع في
أمريكا اللاتينية، ووصلوا إلى جزر
الساندويش (هاواي)، ثم أستراليا،
واتجهوا شمالا نحو جزر الفليبين ومكاو
-المحكومة من قبل الصين اليوم- وتايوان
قبل الوصول إلى شبه الجزيرة الكورية،
وقد قتل لابيروز ومن معه في معركة مع
سكان جزر السلمون في جنوب المحيط
الهادي عام 1798.
جزيرة
دولية والبعد الثقافي
وقفزة
زمنية نحو العصر الحاضر في تشيجو لنرى
خلال شهر مايو 2001 انطلاق فعاليات
مهرجان سياحي مختلف عن غيره هو جزء من
الخطة التي تستهدف جعل جزيرة تشيجو
محضنا لـ "مدينة جيجو الحرة الدولية"
التي "تتحرك فيها الثروات البشرية
ورؤوس الأموال والمعلومات والتبادل
الثقافي بحرية"، والمهرجان الذي
يستمر خلال شهر يونيو يحمل عنوان "المهرجان
العالمي الثاني لثقافات الجزر"،
ويشارك فيه 30 جزيرة؛ ولأن الجزر قد
عُزلت عن بعضها بمياه البحار
والمحيطات فإن فكرة المهرجان تحاول
إبراز أهمية جزيرة تشيجو السياحية
والثقافية "الآسيوية" في الدرجة
الأولى.
فقد
أعلنت الحكومة في أواسط شهر مايو 2001
الجاري خطة تسعى إلى تعزيز مكانة جزيرة
تشيجو التي يعدها الكوريون المنتجع
المفضل، وتشتهر عند المتزوجين حديثا
من الكوريين لقضاء أسابيع زواجهم
الأولى فيها؛ فـ"سيول" تريد أن
تجعلها أكثر من منتجع كمدينة تجارية
وثقافية حرة خلال عشر سنوات من عامنا
هذا، وقد وضعت لذلك ميزانية أولية
قدرها 4.2 تريليون (3.2 مليار دولار)، ومن
ذلك تأسيس مجمعات أعمال ومرافق سياحية
وتجارية كبداية لمنافسة هونغ كونغ
والتشبه بسنغافورة في جنوب شرق آسيا
ودبي في الخليج العربي، كما تذكر الخطة
الرسمية.
لكن
البعد اللغوي والثقافي للهدف أثار
انتباه وحفيظة من قرأ أخبار الخطة في
الصحف من الكوريين الذين لم يُفاجَئوا
بهدفها الطموح، ولكنهم فوجئوا باقتراح
اعتبار اللغة الإنجليزية لغة رسمية
ثانية في الجزيرة بعد الكورية؛ فالخطة
تذكر أن الحكومة ستعزز التعليم
الإنجليزي في المدارس العامة، وتؤسس
مدارس أجنبية في الجزيرة وفروعا
لجامعات أجنبية، وتعيد كتابة ما يكتب
في الشوارع والبنايات من لافتات
وإشارات ودعايات بإضافة اللغة
الإنجليزية؛ لتسهيل حركة الأجانب في
المدينة، وفيما تحفَّظ البعض المحافظ
على الخطة، دعا آخرون -من الذين لا
يشعرون بخطر من الثقافة الغربية- إلى
تعميم اعتبار اللغة الإنجليزية لغة
رسمية ثانية في كوريا الجنوبية وعدم
اقتصار ذلك على جزيرة تشيجو، وكان أديب
كوري ليبرالي قد شن منذ 3 سنوات حملة
تدعو إلى التحول بسرعة إلى الإنجليزية
وترك اللغة الكورية حاملا معه ما يروج
من اعتقاد أن الإنجليزية ستغزو العالم
كليا خلال 5 أجيال، ولا يجد بأسا في
القول بأن لغته الأصلية ستُرمى في
المتاحف مثل المخلوقات المنقرضة، ولعل
السامع لهذا الجدل في كوريا -وبالخصوص
تشيجو- يتذكر ما يُثار في دبي
وسنغافورة وغيرهما عن خطر ضعف اللغة
الأصلية ضمن مسار التحول إلى مدينة
دولية.
وفي
مقابل ذلك فقد هاجم الوطنيون
والقوميون الفكرة مؤكدين أن اللغة
ليست وسيلة تواصل فقط، ولكنها لب
الهوية القومية وأسلوب في التفكير،
وعماد الاستقلال الثقافي للكوريين
داعين إلى الإعداد تعليميا وإعلاميا
لمجتمع ثنائي اللغة مستقبلا، وفيما
استدل الليبراليون باللغة الإنجليزية
في الفليبين وأن 80% من محتويات
الإنترنت بالإنجليزية، وأن الهنود قد
استفادوا من سيليكون فالي بإنجليزيتهم
قال القوميون: إن سنغافورة قد نجحت في
تطبيق إستراتيجية "ثنائية اللغة"،
وأن النسبة الإنترنتية ستنخفض إلى 40%
بعد 10 سنوات، وبأن الهنود يتميزون في
الرياضيات، ويبقى التساؤل في النهاية
حول القدرة على جعل تشيجو "هونغ كونغ
الثانية" مركزا تجاريا وثقافيا
وسياحيا، وإمكانات انتشار اللغة
الإنجليزية إذا علمنا أن مستويات
تعليمها لا تزال ضعيفة؟.
اقرأ
أيضًا:
|