|
|
|
جانب من مظاهرة طلابية بجامعة القاهرة تطالب بالإصلاح السياسي مارس
2005
|
تعالت
الأصوات في الآونة الأخيرة في مصر مطالبة
بالإصلاح، ورافعة شعار لا للتمديد ولا
للتوريث، وانحصرت مطالبات الإصلاح في رفع
حالة الطوارئ وإلغاء كافة القوانين المقيدة
للحريات، وتعديل الدستور بما يسمح بانتخابات
رئاسية ونيابية حرة وحقيقية، وهذه كلها مطالب
لا غبار عليها؛ إذ إن الحرية -بشكل عام- هي
مفتاح الإصلاح في مصر.
ولكن
ما أهمية انتخابات نيابية ورئاسية حرة مقامة
على بنية هشة عملت فيها عوامل النخر والإفراغ
من المضمون بفعل طول أمد الفساد والاستبداد
في البلاد، الذي يطول على الأقل إلى أكثر من
نصف قرن، وليس هو وليد عهد مبارك؟! وهذا هو ما
أوصل البلاد إلى حالة من التعفن تحت دعاوى
الاستقرار وإلى وضع من الانهيار والتبعية
الاقتصادية تحت دعاوى التنمية. لذا، فالمبدأ
الذي أستند إليه هاهنا هو ضرورة أن تضع حركة
المطالبة بالإصلاح ضمن مطالبها عددا من
المطالب طويلة الأمد، تساهم في إعادة ثقافة
الحرية والتدافع السلمي إلى الحياة المصرية،
وخلق تعددية اجتماعية حقيقية تكون الأساس في
بناء تعددية سياسية حقيقية.
بين
التعددية السياسية والاجتماعية
أبني
دعوتي تلك على ما جاء في ورقة أستاذنا
المستشار طارق البِشْري والمنشورة في "إسلام
أون لاين.نت: في أول أكتوبر عام 1999؛ أي منذ ما
يقرب من 6 سنوات تحت عنوان "منهج النظر في
أسس البناء الديمقراطي والتعددية ومؤسسات
المجتمع المدني" ولم يُلْتفت إلى ما جاء في
هذه الورقة من نفيس القول حول أسس البناء
الديمقراطي الذي نسعى إليه، يقول المستشار
البشري في ورقته: "إن الحديث عن
الديمقراطية أو عن التعددية هو في عمومه حديث
عن "المؤسسات" في المجتمع؛ أي الهيئات
التي تنظم الجماعة في عمومها أو في تكويناتها
الفرعية. يقصد بالجماعة في عمومها الجماعة
السياسية التي تتكون "الدولة" على
أساسها، ويقصد بالتكوينات الفرعية: الجماعات
الثقافية أو المهنية أو الإقليمية أو العرفية
أو الاقتصادية، والتي تندرج في الوعاء العام
للجماعة السياسية. والذائع في بلادنا في
الحقبة الأخيرة هو الحديث عن التعددية،
باعتبار أنها تعني تعدد الأحزاب، وتعدد منابر
التعبير عن الرأي السياسي، وذلك في مقابل
نظام التنظيم السياسي الواحد الذي عرفته هذه
البلاد منذ الخمسينيات، وفي أول عهود
الاستقلال السياسي فيها.
فالتعددية
الحزبية تستلزم تعددية مؤسسات الدولة
واستقلالها، وهي شأن لا يقوم النظام
الديمقراطي إلا به، كما أن التعدد الحزبي
ذاته مشروط بغيره من ضروب التعددية في
المجالات الأخرى. ومع التعدد الحزبي يتعين أن
يقوم تعدد في مؤسسات الدولة يتوزع عليها
اتخاذ القرار العام والقيام بالعمل العام،
ولأن التعددية الاجتماعية أساس التعددية
السياسية كما يقول البشري، يجب أن يكون هناك
تعدد في التنظيمات الاجتماعية للجماعات
الفرعية؛ فهذه الجماعات تمثل التكوينات
الوسطية بين الجماعة العامة التي تقوم الدولة
على أساسها وبين الأفراد، وهي الكفيلة بجمع
الآراء الفردية وتنظيمها، وإقامة وجه من وجوه
الإدارة الذاتية لكل من الجماعات، وهي أيضا
الكفيلة بتنظيم القوى الشعبية المتنوعة،
وإقامة نوع من التوازن بين هذه القوى
والسلطات المركزية، ما يعني إقامة نوع من
التوازن بين الجماعة السياسية الكلية المعبر
عنها من الدولة وبين هذه المكونات الفرعية في
تكاثرها، بحيث تعبر كل منها عن ذاتها. وأتصور
أن هذا النوع الأخير هو ما عليه المعوّل في
نجاح أو فشل وجوه التعدد من النوعين الأولين".
أعمدة
الإصلاح الحقيقي في مصر
وعلى
أساس ما جاء بتلك الورقة النفيسة، يمكن
استعراض أسس الإصلاح التالية التي تمثل أعمدة
الإصلاح الحقيقي في مصر بما يضمن استعادة
الشعب المصري لثقافته الأصيلة.. ثقافة
ممارسة الحرية والتعددية في إطار من التدافع
السلمي:
-
لا
ديمقراطية حقيقية بدون مجتمع مدني حقيقي.
-
لا
تعددية سياسية بدون تعددية اجتماعية
حقيقية.
-
ولا
مجتمع مدنيا ولا تعددية اجتماعية بدون
مجتمع حر وحي.
لتحقيق
الحياة والحرية للمجتمع لا بد من بناء
الثقافة والبيئة الملائمة من خلال الأعمال
التالية:
-
إصلاح نظام البلديات بإعادة هرم السلطة
المقلوب إلى وضعه الصحيح: المجلس المنتخب هو
صاحب السلطة الأولى، والموظفون المعينون
العاملون في رئاسات الأحياء والقرى تابعون
لإرادة المجلس المنتخب، والذي يحق له عزلهم
أو تثبيتهم، كما يحق للمجلس المنتخب التصرف
في ميزانية الحي أو القرية أو المحافظة وفقا
لما يراه من مصلحة المكان الذي يقيم فيه.
-
وتنتخب مجالس البلديات من ممثلي طوائف الحرف
والمهن في كل جهة، إضافة إلى ممثلي العائلات
والقبائل أو ممثلي الشوارع والحارات
المختلفة، في إطار نظام انتخاب تصاعدي يضمن
تمثيلا حقيقيا للمجتمع بأسره، ويجعل من نظام
البلديات هو الأساس لكل ما يبنى فوقه من بناء
ديمقراطي.
-
إحياء وتطوير نظام طوائف الحرف؛ ليصبح ممثلا
لجميع طوائف الشعب المهمشة والمحرومة من
التمثيل في أي مجلس يساهم في صنع القرار الذي
يمثل الصالح العام لأهل كل جهة أو مهنة أو
حرفة، ويشمل ذلك النظام جميع طوائف الأرزقية (حرفيين،
وتجار شوارع وعمال تراحيل جدد، وصغار التجار).
-
تحرير النقابات العمالية من قبضة الحكومة
وحزبها الحاكم، وامتداد نظام النقابات
العمالية إلى مصانع القطاع الخاص والتعاوني،
بما يضمن تحقيق مصالح العمال ويمنع من جور
أصحاب الأعمال أو مديريها عليها، سواء كانوا
يمثلون أنفسهم أم الحكومة والقطاع العام.
وكذلك مشاركة نسبة من ممثلي العمال في مجالس
إدارات جميع تلك المصانع والشركات بما يضمن
ديمقراطية الإدارة.
-
تحرير الاتحادات الطلابية من قبضة الحكومة
وحزبها، وإلغاء لائحة 1979 وإعادة اتحاد طلاب
مصر إلى الوجود، وتعميم نظام الاتحادات
الطلابية على جميع المدارس الحكومية والخاصة
والأهلية والتعاونية، بما يساهم في خلق ثقافة
المشاركة في اتخاذ القرار منذ الصغر.
-
إنشاء نقابات لعمال الزراعة متحررة من قبضة
الحكومة وحزبها، بما يضمن مصالح المزارعين
أمام أصحاب الأراضي، سواء كانوا من الجهات
الحكومية أم الخاصة أو الأهلية أو التعاونية.
-
تحرير النقابات المهنية من أسر الحراسات
والحكومة، وإلغاء القانون 100 لتعود إلى
ممارسة دورها في الحياة المهنية والسياسية
المصرية.
-
تحرير حركة التعاونيات من قبضة الحكومة
وحزبها، وإلغاء كافة القوانين المقيدة لحرية
حركة التعاونيات.
-
تحرير الأوقاف من قبضة الحكومة، وإعادة كافة
الأوقاف الخيرية إلى أصحابها سواء كانوا من
الهيئات أم الأفراد، وإطلاق حرية تكوين
وإنشاء المؤسسات الوقفية الجديدة بما يضمن
تمويلا وطنيا للعمل الأهلي.
-
تحرير الجمعيات الأهلية من قبضة الحكومة،
وإلغاء كافة القوانين أو البنود المقيدة
لتشكيل الجمعيات في قانون الجمعيات الأهلية
الجديد، والتي تضع سلطات للجهات الإدارية
تعوق دون حرية تشكيل الجمعيات، مع الحفاظ على
سلطة الرقابة المالية المحكومة بالدستور
والقانون بما يمنع من التعسف في استخدام هذا
الحق الرقابي.
-
فك طلاسم التحنيط عن الجمعيات العلمية
القديمة، واستحداث جمعيات علمية جديدة تشمل
كافة تخصصات العلوم والمعارف، وجعل عضوية تلك
الجمعيات العلمية وفاعليتها شرطا لممارسة
المهن المرتبطة بها.
-
تحرير المساجد من قبضة الحكومة، بجعل الإشراف
عليها من سلطة البلديات المنتخبة وليس من
سلطة وزارة الأوقاف، مع تنظيم سلطة الرقابة
على أموال التبرعات بالمساجد، بما يمنع
التعسف أو التسيب والفساد في استخدامها،
ويقوم بتنظيمها مجلس البلديات المنتخب.
-
تحرير حركة المجتمع المدني ككل من القبضة
الأمنية، بمنع تدخل جهاز أمن الدولة في أعمال
المؤسسات الأهلية سابقة الذكر، أو في أعمال
الجامعات والمدارس ومؤسسات الحكومة أو
المؤسسات الأهلية والخاصة.
-
تحرير نظام العمد والعمداء من القبضة الأمنية
والحكومية، وإعادة نظام الانتخاب له، مع
تشكيل مجالس منتخبة معاونة للعمد والعمداء في
أعمالهم، وكذلك جعل مجالس الأقسام بالكليات
والمعاهد التعليمية والمؤسسات البحثية
بالانتخاب الحر.
حريات
عامة أساسية
يعد
إطلاق الحريات الأساسية للمواطن العادي دون
قيود وفى حدود احترام الآخرين والقانون عاملا
جوهريا لخلق البيئة الثقافية للإصلاح، ومن
هذه الحريات:
-
إطلاق حرية الجماهير في تنمية ذاتية ومستقلة
تعتمد على الخامات والموارد المالية
والبشرية المحلية، وتتكئ على استنبات
التكنولوجيا الملائمة بمستوياتها الدنيا
والوسطى والعليا.
-
إطلاق نظام تعليمي جماهيري تعاوني وأهلي حر،
قائم على التوافق مع برامج التنمية المحلية
والذاتية المستقلة، تعليم يحرر عقليات
الجماهير المقهورة ويطلق وعيها النقدي.
-
إطلاق حرية تكوين الفرق الفنية المسرحية
والغنائية والسينمائية الأهلية بما يضخ
الدماء في الحركة الفنية، ويجعلها ممثلة
لآلام وآمال الجماهير.
تعديل
دستوري مطلوب
حتى
يكون الإصلاح جوهرا لا شكلا فقط، ثمة حاجة
أيضا لتعديل دستوري يطال مسئولية البرلمان
باعتباره معبرا عن الشعب، وهذا التعديل:
ـ
يجعل من مجلس الشعب مجلسا لمحاسبة الحكومة،
يتم انتخابه من قبل طوائف الشعب الممثلة في
نظام طوائفها ونقاباتها المختلفة، بما يشمل
مجالس الطوائف والحرف، والنقابات العمالية
والمهنية والزراعية واتحادات الطلاب
والجمعيات الأهلية.
ـ
ويجعل من مجلس الشورى مجلسا مختصا بالتشريع
يتم انتخابه من قبل الجمعيات العلمية
المتخصصة (سابقة الذكر)، والتي تشمل جميع
تخصصات العلوم المدنية والعسكرية والأمنية
والدينية (الإسلامية والمسيحية على السواء).
اقرأ
أيضًا:
**مشرف
وحدة البحوث والتطوير بشبكة "إسلام أون
لاين.نت".