|
تحول
تدريجي للرأي العام الأمريكي ضد
إسرائيل
هل ينهار اللوبي الصهيوني في أمريكا بسبب فضائحه؟ |
|
محمد جمال عرفة**
|
11/06/2005
|
|

|
|
شعار لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية إيباك
|
تثير
فضيحة التجسس الإسرائيلي على الولايات
المتحدة التي كشفت عنها أجهزة
المخابرات الأمريكية مؤخرا عددا من
القضايا؛ من أهمها تراجع صورة إسرائيل
داخل الولايات المتحدة، والدور الذي
يلعبه اللوبي اليهودي الصهيوني في
التأثير على السياسات الأمريكية بوجه
عام، وما هي الحدود التي يجب أن يكون
عليها مثل هذا الدور.
وبدأت
هذه الفضيحة منتصف 2003، عندما تم الكشف
عن قيام "لارى فرانكلين" -اليهودي
الأمريكي، محلل المعلومات
المخابراتية في مكتب "دوجلاس فيث"
(وكيل وزارة الدفاع الأمريكية)- بتقديم
معلومات سرية للغاية عن العراق إلى
اثنين من القيادات الرئيسية في اللوبي
اليهودي هما "ستيف روزين" مدير
العلاقات الدولية في لجنة الشئون
العامة الأمريكية الإسرائيلية "إيباك"،
و"كيث وايزمان" كبير المحللين
للمعلومات المتصلة بالشرق الأوسط
باللجنة، وفي إبريل 2005 كشف مكتب
التحقيقات الفيدرالي عند تفتيش منزل
"فرانكلين" عن وجود 38 وثيقة أخرى
معنونة بـ"سرية للغاية"، و37 وثيقة
"سرية جدا"، و8 وثائق "سرية"،
وكلها تتعلق بمعلومات خطيرة عن الأمن
القومي الأمريكي خلال 3 عقود تم نقلها
لتل أبيب.
ورغم
المسارعة بالتغطية على الفضيحة بإعلان
دوجلاس فيث استقالته، وإعلان لجنة "إيباك"
إقالة عضويَّيْها المشاركَيْن في
الفضيحة ذرا للرماد في العيون، فإن هذه
الفضيحة تفتح ملفات فضائح أخرى، وتثير
قضية تدني شعبية إسرائيل في أمريكا.
مؤشرات
على تراجع صورة إسرائيل في الأوساط
الأمريكية
في
أعقاب تفجيرات 11 سبتمبر 2001، وصدمة
الهجوم الأولى على العرب والمسلمين
بدأت أوساط بحثية وشعبية أمريكية تدعو
لمزيد من الفهم لطبيعة مشاكل المنطقة
العربية والقضية الفلسطينية، بعيدا عن
تأثيرات اللوبي الصهيوني؛ لتبدأ مرحلة
جديدة متدرجة من التحول النسبي في
الرأي العام الأمريكي ضد إسرائيل،
ساعد عليها فضائح السرقات والتجسس
الإسرائيلية المتكررة على مركز
التكنولوجيا والأسرار الحربية
الأمريكية، واستغلال النفوذ الداخلي
للجنة "إيباك" للقيام بعمليات
تجسس غير عادية تضر الأمن القومي
الأمريكي لصالح الدولة العبرية، كان
آخرها فضيحة "لاري فرانكلين".
وقد
بدأت أولى مؤشرات تراجع صورة إسرائيل
في الأوساط الشعبية الأمريكية عام 2002
حينما نشرت في وسائل إعلام أمريكية
وإسرائيلية نتائج استطلاعات للرأي
تشير إلى وقوف غالبية الشعب الأمريكي
(62%) موقفا محايدا تجاه صراع الشرق
الأوسط، وإلى تراجع ملحوظ في تأييد
اليسار الأمريكي (22% فقط) لمساندة
أمريكا لإسرائيل، وتدهور صورة إسرائيل
لدى بعض فئات الشعب الأمريكي، وعلى
رأسها الطلاب والأفارقة الأمريكيون.
أيضا
تناولت جريدة "الأسبوع اليهودي"
الأمريكية في أغسطس 2002 خسارة إسرائيل
"بعض الساحات" في حرب العلاقات
العامة ضد الفلسطينيين في أمريكا بسبب
استمرار العنف في الشرق الأوسط.
وقد
قام مجلس العلاقات الإسلامية
الأمريكية "كير" مؤخرا بنشر تقرير
يتضمن عدة تقارير صحفية واستطلاعات
رأي نشرت من قبل جهات متفرقة في
أمريكا، يتحدث بعضها عن اعتراف
المسئولين الإسرائيليين المتزايد
بالمشكلة، وسعيهم لإعادة بناء جهود
إسرائيل لتحسين صورتها لدى شعوب الدول
الأجنبية بما في ذلك الشعب الأمريكي،
وذلك بالتعاون مع بعض خبراء العلاقات
العامة الأمريكيين المساندين
لإسرائيل.
فعلي
سبيل المثال كشفت وكالة الأنباء
اليهودية "JTA" عن انتشار شعور بأن
"إسرائيل تخسر معركة التأثير على
العقول والقلوب الأمريكية" في دوائر
بعض قيادات المنظمات الأمريكية
الموالية لإسرائيل، وقالت الوكالة:
إسرائيل التي نجحت في الحفاظ على تأييد
النخب السياسية الأمريكية لسياساتها
باتت تواجه مشكلة في التواصل مع الشعب
الأمريكي، اعترف بها المسئولون
الإسرائيليون أنفسهم، وبات محتما
عليهم التعامل معها بجدية. وأشارت
الوكالة إلى استطلاع أجرته منظمة
مشروع إسرائيل (The Israel Project) في شهر
نوفمبر 2003 وجد أن 62% من الناخبين
الأمريكيين يريدون أن تقف أمريكا
موقفا محايدا من صراع الشرق الأوسط
مقارنة بنسبة 42% فقط في صيف عام 2002.
وكشف
الاستطلاع عن ميل الأمريكيين بشكل
متزايد للمساواة الأخلاقية بين
الاعتداءات الإسرائيلية والفلسطينية؛
إذ رأى 45% من الأمريكيين أن إسرائيل
تتصرف بنفس الطريقة التي يتصرف بها
المسلحون الفلسطينيون، وذلك مقارنة
بنسبة 39% في شهر يوليو 2003.
وعن
أسباب تراجع قدرة إسرائيل في التأثير
على عقول وقلوب الشعب الأمريكي ترى
خبيرة العلاقات العامة "جانيفر
لازلو مزراحي" -التي أسست في مارس 2003
منظمة "مشروع إسرائيل" لمواجهة
تراجع صورة إسرائيل في الإعلام
الأمريكي- أن ذلك يعود إلى عدة أسباب؛
على رأسها التغطية المكثفة للإعلام
الأمريكي للانتفاضة الفلسطينية على
مدى السنوات الثلاثة الأخيرة؛ مما
أشعر الأمريكيين بالإرهاق من دائرة
العنف التي لا تنتهي، وزاد من رغبتهم
في وقوف أمريكا على الحياد، وأن
إسرائيل فشلت في تنويع وتجديد رسالتها
الإعلامية، وأنها كررت نفسها كثيرا
خلال الأعوام الثلاثة الماضية بشكل
جعل الإعلام الأمريكي ينظر إليها على
أنها الطرف "المعتدي والقامع".
وقد
اعترف "داني أيلون" -سفير إسرائيل
في الولايات المتحدة- في تصريح لجريدة
"جروزاليم بوست" في الرابع من
ديسمبر 2004 بأن إسرائيل تواجه مشكلة في
شرح سياساتها بالجامعات الأمريكية وفي
أوساط الأفارقة الأمريكيين حيث تنشط
الجماعات المساندة لفلسطين بشكل أكبر،
وقال: "إسرائيل سعت لمواجهة المشكلة
من خلال الاستعانة باليهود السود في
القيام بزيارات توعية لجماعات
الأفارقة الأمريكيين، كما نشطت
السفارة الإسرائيلية في التواصل مع
أعضاء الكونجرس الأفارقة الأمريكيين".
تحرك
مكثف للوبي الصهيوني
وقد
دفعت هذه المؤشرات التي تؤكد التزايد
التدريجي لأعداد الأمريكيين الكارهين
لإسرائيل واللوبي الصهيوني إلى تحرك
الأخيرين لتدارك هذا الأمر؛ فقد نصح
خبراء ومسئولون إسرائيليون بأن على
إسرائيل أن تسقط مصطلح "العلاقات
العامة" من قاموسها الدبلوماسي، وأن
تستبدل به مفهوم "الدبلوماسية
الشعبية"، كما ينبغي عليها زيادة
ميزانيتها المخصصة لهذه الأنشطة إلى 9
ملايين دولار أمريكي، واقترحت "مزراحي"
على الحكومة الإسرائيلية تركيز
عملياتها العسكرية في فترات محدودة
وقصيرة حتى تتجنب تغطية وسائل الإعلام
الأمريكي للعمليات العسكرية
الإسرائيلية على مدى فترات طويلة من
الزمن.
كما
أطلقت المنظمات اليهودية الأمريكية في
أواخر عام 2002 حملة إعلانات تلفزيونية
لتحسين صورة إسرائيل على شاشات
التلفزيون الأمريكية، وللتشويش على
الأخبار السيئة القادمة من إسرائيل،
ثم قام مؤتمر هذه المنظمات بإطلاق خدمة
إخبارية يومية مجانية موجهة نحو قادة
الرأي الأمريكيين، وكثفت لجنة "إيباك"
جهودها في تنظيم رحلات لصناع القرار
الأمريكي لإسرائيل، كما أطلق مجموعة
من رجال الأعمال اليهود الأمريكيين
بكاليفورنيا منظمة جديدة تدعى Israel21C
للعمل على تنشيط تغطية إخبارية
لإسرائيل غير متعلقة بصراعات، وانضم
بعض الأكاديميين المساندين لإسرائيل
للحملة لدحض أكثر الانتقادات الموجهة
لإسرائيل شيوعا. كذلك نشرت منظمة "مشروع
إسرائيل" مؤخرا كتيبا لتوعية
اليهودي الأمريكي العادي بسبل شرح
قضية إسرائيل للمواطنين الأمريكيين
الآخرين.
هل
يتحول اللوبى اليهودي إلى عميل أجنبي
لا جماعة ضغط؟
ثمة
مشكلتان كبيرتان يواجههما اللوبى
اليهودي داخل الولايات المتحدة في
الآونة الأخيرة، ربما سيكون لهما أكبر
الأثر مستقبلا في تراجع تلك المكانة
التي حظي بها هذا اللوبى لعقود طويلة.
المشكلة
الأولى: تختص بغموض بل والجهل بحجم
إنفاق اللوبي الصهيوني للتأثير على
صانعي القرار الأمريكي، أو تمويل
عمليات التجسس على الأسرار الأمريكية،
خاصة أن هناك انتقادات عديدة لضعف
الرقابة الحكومية على أنشطة اللوبي،
واتهامات لأعضاء لجان الاعتمادات
بالكونجرس بأنهم يعملون مع شركات لوبي
تضغط على هيئاتهم، وتجذبهم للعمل في
هذه الشركات بعد ترك الخدمة.
وقد
كشف تقرير حديث لمركز الأمانة العامة
Center for Public Integrity (وهو مركز أبحاث أمريكي
معروف بتركيزه على تتبع تأثير المال
على العملية السياسية الأمريكية) عن
حقائق مثيرة حول حجم صناعة اللوبي
والقائمين عليها بواشنطن في الفترة من
1998 وحتى نهاية عام 2003؛ حيث وظفت صناعة
اللوبي حوالي 14 ألف خبير، وأنفقت 13
بليون دولار خلال السنوات الست التي
شملتها الدراسة، من بينها 2.4 بليون
دولار خلال عام 2003 وحده؛ أي ضعف ما
تنفقه الحملات الانتخابية الفيدرالية
حتى في السنوات التي تشهد انتخابات
رئاسية.
ويوضح
التقرير أن مجلس النواب الأمريكي
وأعضاءه الذين يبلغ عددهم 435 عضوًا
يتعرضون لضغط أكبر عدد من شركات
اللوبي، يليهم مجلس الشيوخ الأمريكي
بفارق بسيط، ثم وزارة الدفاع
الأمريكية، ثم وزارات الصحة والتجارة
والمالية والمواصلات، ثم البيت الأبيض.
أما أهم القضايا التي تجذب اهتمام
شركات اللوبي فهي الميزانية
والاعتمادات الفيدرالية، تليها قضايا
الصحة، ثم الدفاع، ثم الضرائب، ثم
المواصلات.
المشكلة
الثانية: تتعلق بقضايا التجسس الكبرى
التي يمارسها اللوبى اليهودي لصالح
إسرائيل؛ وهو ما قد يشكل مساسًا بالأمن
القومي الأمريكي؛ ففضيحة "فرانكلين"
تكمن خطورتها في أنها ثالث فضيحة تجسس
تتورط فيها إسرائيل على الأسرار
الأمريكية، وأنها تأتي في وقت تتدهور
فيه صورة الدولة العبرية في أذهان
الأمريكيين؛ لتعيد للأذهان مسألة
الولاء المزدوج لليهود، وأن ذيول هذه
الفضيحة تمتد من "دوجلاس فيث"
وكيل وزارة الدفاع سابقا إلى "بول
وولفويتز" نائب وزير الدفاع السابق،
الرئيس الحالي للبنك الدولي الذي
تربطه بإسرائيل علاقة وثيقة جدا.
ولم
يقلل من تداعيات هذه الفضيحة قيام "فيث"
بتقديم استقالته، أو محاولة "إيباك"
الحد من آثارها بإقالة "روزين
ووايزمان"، اللذين تلقيا الوثائق
المهربة من "فرانكلين" رغم أنهما -كما
قالت وكالة أنباء تليجراف اليهودية- من
كبار أعضاء اللوبي، وأن "روزين"
هو الذي شكل سياسة هذا اللوبي الموالي
لإسرائيل؛ الأمر الذي يشكل ضربة شديدة
للوبي.
أيضا
لم يقلل من آثار هذه الفضيحة حرص رئيس
الوزراء الإسرائيلي "شارون" على
حضور مؤتمر "إيباك" السنوي الأخير
في مايو الماضي مع وزيرة الخارجية "كونداليزا
رايس" للتخفيف من حده الفضيحة
وتهدئة الرأي العام الأمريكي، ومحاولة
تحسين صورة اللوبي مرة أخرى؛ لأن حجم
الوثائق التي هربها "فرانكلين"
لإسرائيل بلغت 84 وثيقة "سرية جدا"
تتضمن وثائق وأسرار وزارة الدفاع
الأمريكية، وكأن "فرانكلين" قد
حول منزله لوكالة تجسس إسرائيلية
خاصة، مستندا على قوة ونفوذ اللوبي
اليهودي في أمريكا.
هذا
ويتردد بقوة في أرجاء مكتب التحقيقات
الفيدرالي الأمريكي -كما يقول الخبير
في الشئون الأمريكية محمد وهبي- أن
الحملة التي يشنها مكتب التحقيقات
تمثل شبكة صيد واسعة لاصطياد جواسيس
آخرين (لتل أبيب واللوبي الصهيوني)،
يساندها أن في واشنطن الكثيرين ممن
يكرهون إسرائيل والجالية اليهودية،
ويعشقون اليوم الذي يتم فيه تشويه سمعة
"الإيباك".
إن
تجاوز اللوبى اليهودي حدود دوره من
ممارسة الضغط إلى التأثير على
السياسات، ثم التنقيب عن أسرار الأمن
الأمريكي ونقلها لإسرائيل، فضلا عن
غموض شبكته المالية من حيث المصدر وحجم
الإنفاق.. ربما يكون مدخلا لتقليص
الدور التقليدي لهذا اللوبي في صنع
السياسة الأمريكية. وكما يذكر "إبراهام
فوكسمان" -أحد أهم قيادات المنظمات
الصهيونية- فإن "تعدد
فضائح اللوبي وكثرة تجسسه، وتشديد
مكتب التحقيقات الفيدرالي الحصار حوله
يهدف إلى إجبار "إيباك" على تسجيل
نفسها "كعميل أجنبي" في السجلات
الأمريكية وليس مجرد جماعة ضغط؛ وهو ما
سيضطرها إلى كشف كل نشاطاتها في
الكونجرس وفق قانون العملاء الأجانب"،
وهو أمر لو حدث -كما تقول صحيفة فوروارد
اليهودية- فسوف "يجرد اللوبي
الصهيوني من أهم أسلحته؛ وهو العمل خلف
الستار، وتنتهي الإيباك كما عرفناها"،
وينهار اللوبي والتأثير الإسرائيلي
القوي في السياسة الأمريكية أو في أدنى
الأحوال ستتلوث سمعته.
اقرأ
أيضا:
**
المحلل
السياسي بشبكة "إسلام أون لاين.نت".
|