|
مصر
وإيران.. العلاقات تعود للمربع صفر
|
|
محمد
جمال عرفة**
|
08/12/2004
|
|

|
|
الرئيس الإيراني محمد خاتمي
|
أثار
إعلان النائب العام المصري المستشار
ماهر عبد الواحد أمس الثلاثاء 7 ديسمبر
2004 عن قضية تجسس (تخابر) من جانب إيران
موجهه ضد كل من مصر والسعودية تساؤلات
حول مصير العلاقات الدبلوماسية
المصرية الإيرانية، وهل تكون هذه
القضية قاصمة الظهر لما سبقها من
تطورات إيجابية في العلاقات، أبرزها
لقاء مبارك وخاتمي في سويسرا ديسمبر 2003،
وتعود العلاقات لنقطة الصفر، أم أنها
مجرد قضية أمنية عادية لن تؤثر في
مسيرة العلاقات؟
ومع
أن مؤشرات وطريقة الإعلان عن القضية -المتهم
فيها شاب مصري درس في إيران، ودبلوماسي
إيراني كان يعمل في مكتب رعاية المصالح
الإيرانية في القاهرة- تشير إلى اهتمام
مصري كبير بنشر القضية على أكبر نطاق
إعلامي وفرد صفحات خاصة لها في الصحف
الرسمية؛ وهو ما يشير إلى نقل "رسالة
ما" للخارج، واحتمالات تدهور حقيقي
مرتقب في العلاقات؛ فيجب عدم إغفال
أن هناك بوادر تراجع سابق في العلاقات
أقر بها مسئولو البلدين مؤخرا، منها:
-
قول وزير الخارجية الإيراني كمال
خرازي على هامش جنازة عرفات بالقاهرة
بأن القاهرة مسئولة عن الجمود في
العلاقات بين البلدين دون أن يوضح كيف.
-
القاهرة كانت تتوقع تعاونا أمنيا
إيرانيا (لم يتم) فيما يتعلق بقضية
تسليم معتقلين مصريين منتمين لجماعة
الجهاد وتنظيم القاعدة، اعتقلتهم
إيران ضمن 500 معتقل بعد دخولهم أراضيها
عقب غزو أفغانستان أواخر 2001، ولم تعلن
عنهم إلا عام 2003، وبينهم أسماء ترددت
في الكواليس مثل: سيف العدل الرجل
الثالث المفترض في القاعدة، ومصطفى
حمزة الذي قال هاني السباعي مدير مركز
المقريزي المصري للدراسات التاريخية
يوم 5 ديسمبر الجاري: إن طهران سلمته
لمصر مقابل تلقيها معلومات عن أعضاء
جماعة معارضة إيرانية يعيشون بمصر،
ونفى حميد رضا آصفي المتحدث باسم وزارة
الخارجية الإيرانية النبأ وقال: "إن
حمزة لم يكن قط في إيران، ونحن لم نُعده
إلى مصر، والنبأ لا صحة له".
-
لم يحدث تطور جديد في العلاقات
الدبلوماسية، ولم يتم تبادل سفراء رغم
تصاعد الحديث عن هذا الأمر عقب غزو
أمريكا للعراق في مارس 2003 وتقارب مصالح
البلدين الإستراتيجية، وعلى العكس ظلت
العلاقات فاترة بسبب الملف الأمني.
القاعدة..
هل فجرت العلاقات؟
ويبدو
من تحليل تصريحات النائب العام المصري
بشأن قضية التجسس الأخيرة أن هناك سببا
هاما دعا مصر للإعلان عن القضية ونشرها
على نطاق واسع، تمثل في وجود مخطط بين
"الحرس الثوري" الإيراني -يلاحظ
أن القاهرة لم تقل "الحكومة
الإيرانية"- وأفراد في تنظيم
القاعدة للقيام بتفجيرات في السعودية
ضد المصالح الأمريكية، وأن المواطن
المصري الذي عمل في السعودية مشرفا
إداريا في جمعية تحفيظ القرآن في مدينة
ضبا كانت مهمته نقل معلومات عن منشآت
سعودية.
فقد
اتهم النائب العام المصري الشاب محمد
عيد محمد دبوس (31 عاما) بأنه اتفق مع
محمد رضا حسين دوست -وهو دبلوماسي
إيراني كان يعمل في مكتب رعاية المصالح
الإيرانية في القاهرة (هارب)- على
القيام بأعمال عدائية في السعودية؛
مما يترتب عليه قطع العلاقات السياسية
بين مصر والسعودية، ويمده "بمعلومات
أتاحت شن هجوم على مجمع
البتروكيماويات في مدينة ينبع
السعودية في شهر مايو 2004 الذي أسفر عن
سقوط 8 قتلى".
ولو
تم الربط بين هذه المعلومات التي ذكرها
النائب العام المصري وما سبق أن أعلنه
الأمريكيون بأنهم تنصتوا على اتصالات
هاتفية كشفت أن أعضاء في القاعدة نسقوا
من إيران للاعتداءات التي أوقعت 35
قتيلا، بينهم عدد من الأمريكيين، في
الرياض في 12 مايو 2003؛ فالتفسير المنطقي
الوحيد لها هو أن كلا من القاهرة
وواشنطن تشكان في وجود علاقة ما بين
طهران وتنظيم القاعدة، أو على الأقل غض
الإيرانيين الطرف عن عمل القاعدة من
إيران، وتحولها لمركز تنسيق لعملياتهم
في السعودية ضد المصالح الأمريكية.
وربما
يزيد هذه الشكوك قوة لدى البلدين على
تورط طهران أن إيران أعلنت فجأة
الثلاثاء 5 ديسمبر 2004 أنها حاكمت
وأصدرت أحكاما في حق أعضاء تنظيم
القاعدة المعتقلين لديها "في سرية
تامة"؛ مما قد يدعم الاتهامات
الأمريكية ضدها بالتساهل أو حتى بدعم
الإرهاب.
وقبل
ذلك بيوم واحد -4 ديسمبر 2004- أعلن متحدث
باسم القضاء الإيراني أن "العقوبات
صدرت"، ورفض كشف تفاصيل عن هذه
الأحكام أو عن الأشخاص الذين صدرت في
حقهم، وأوضح أن "الأحكام ستعلن بعد
رفع العقبات القانونية لهذا الإعلان"،
وأوردت وكالة "فارس" الإخبارية
شبه الرسمية نقلا عن رئيس السلطة
القضائية في طهران عباس علي زاده قوله:
"إن قاضيا خاصا تعامل مع كل القضايا
المتعلقة بأعضاء القاعدة المعتقلين في
إيران، وتم إصدار أحكام تتوافق مع
أحكام الشريعة الإسلامية".
وبدوره
لم يكشف علي زاده التفاصيل، واكتفى
بالقول بأن الأحكام كانت "عديدة"،
رغم أنه لم يعلن أي شيء قبل بدء جلسات
المحاكمة هذه، وكانت إيران قد أعلنت من
قبل أنها أبعدت معظم هؤلاء إلى بلادهم،
وأنها ما زالت تعتقل عددا منهم بينهم
مسؤولون كبار، إلا أن الخارجية
الإيرانية عادت وتحدثت عن مسئولين "من
المستوى الوسط"؛ مما زاد البلبلة
والشكوك.
نتائج
سلبية على العلاقات
وبشكل
عام يمكن ذكر الملاحظات التالية على
إعلان مصر قضية التجسس ضد إيران:
-
القضية التي أعلنت عنها مصر تعني بوضوح
أن القاهرة توجه اتهاما رسميا لإيران
بالتورط في تفجيرات السعودية ضد
المصالح الأمريكية.
-
يلاحظ أن القاهرة حرصت في بلاغ النائب
العام على اتهام "الحرس الثوري
الإيراني" وليس الحكومة الإيرانية،
وهي مسألة تشير على ما يبدو لحرص
القاهرة على عدم نسف علاقات البلدين
تماما، والإبقاء على شعرة معاوية،
خصوصا أن وزير الداخلية المصري كان في
طهران الأسبوع الماضي، وصافح الرئيس
الإيراني ضمن وزراء داخلية دول الجوار
للعراق الذي عقد في طهران، وتكشف أيضا
سعي القاهرة للتفريق بين خاتمي
والمعتدلين في الحكم، و"الثوريين"
أو "المتطرفين"، كما تسميهم
المصادر الرسمية المصرية غالبا.
-
وفق الاتهام المصري في قضية التجسس بدأ
تعاون الجاسوس المصري مع إيران منذ عام
1999، وتصاعد حتى عام 2003 في قضية إمداد
"الحرس الثوري" بمعلومات عن
الشركات الأجنبية العاملة في السعودية
ومجمع البتروكيماويات في ينبع؛ أي أن
القضية تم كشفها منذ سنوات، وتم الكشف
عنها مؤخرا فقط.. وهو أمر يثير التساؤل
حول توقيت كشف العملية، وهل لذلك علاقة
بالتحسن في العلاقات المصرية مع
أمريكا ضمن السعي لاستئناف مفاوضات
التسوية الفلسطينية أم أنها محض صدفة؟
-
عقب لقاء مبارك وخاتمي عام 2003 توقع
المحللون أن يزداد التقارب، وأن
التهديدات والاتهامات التي كان يوجهها
كل بلد للآخر ستتضاءل إلى جانب الضغوط
والتهديدات الأمريكية القائمة، سواء
بصورة معلنة أو خفية، على اثنتين من
كبريات الدول الإسلامية، ولكن مع
تصاعد التوتر الأمريكي الإيراني بسبب
قضية البرنامج النووي الإيراني، وتحسن
العلاقات المصرية الأمريكية مؤخرا على
خلفية تسوية ملف فلسطين مع إسرائيل،
ربما تشهد العلاقات انتكاسة.
-
في الفترة من 16 -23 يونيو 2004 زارت لجنة
الحريات الدينية الأمريكية مصر، وفتحت
ملف الشيعة في مصر الذين يقدر عددهم
بحوالي 700 ألف نسمة. وفي هذه الأثناء
أفرجت السلطات المصرية عن أعضاء ما سمي
"تنظيم رأس غارب" الشيعي بالبحر
الأحمر شرق مصر الذين جرى اعتقالهم في
ديسمبر 2003، إلا أنها لا تزال تحتجز
محمد رمضان الدريني أمين المجلس
الأعلى لرعاية آل البيت المعتقل منذ 21
مارس 2004 دون تهمة محددة، ورغم هذا لم
توجه تهمًا للمصريين الشيعة بالتخابر
مع إيران، وجاء الاتهام الأخير لشخص
يبدو أنه "سني".
-
قضية التخابر الأخيرة سوف تعيد علاقات
البلدين إلى نقطة الصفر؛ لأن ملف
الخلافات الثنائية بين البلدين تجاوز
مسألة التخابر، واتهام إيران بزعزة
استقرار مصر منذ سنوات، وباتت
الخلافات -سياسية أو أمنية- تتعلق بطلب
تسليم متهمين مصريين في إيران، وعودة
الحديث عن عمليات يسعى "الحرس
الثوري" للقيام بها ضد أهداف في مصر
أو السعودية؛ معناها تأكيد مصري أن
الحرس الثوري وتيار التطرف لا يزال هو
المهيمن على السياسة الإيرانية، وهو
ما يعني انهيار خطوات تحسين العلاقات
السابقة لهذا.
وكانت
المصادر السياسية في البلدين قد رصدت
تغييرا غير عادي عامي 2002 و2003 في علاقات
البلدين على مستوي القيادة العليا
تمثل تدريجيا في تهنئة الرئيس مبارك
للرئيس خاتمي في أعقاب الانتخابات
الرئاسية الأخيرة، ثم قيام القاهرة -على
لسان وزير الخارجية المصري السابق
عمرو موسى- بتأكيد أن علاقات البلدين
سوف تشهد طفرة في القريب العاجل؛ وهو
ما كرره الوزير السابق أيضا أحمد ماهر
الذي التقى نظيره الإيراني خرازي عدة
مرات للتنسيق في قضايا دولية ليس من
بينها علاقات البلدين.
وأعقب
ذلك قيام مصر بتبني طلب إيراني
للانضمام إلى مجموعة الـ15 التي تمثل
الدول النامية على غرار مجموعة السبع
الصناعية في مؤتمر قمة الـ15 الأخير
بالقاهرة في يونيو 2000؛ بل والدخول في
جدل مع دول أمريكا اللاتينية التي
انتقدت السعي المصري لضم إيران، في حين
أن الإكوادور سبق أن تقدمت بطلب جمد.
وقد
أعقب قبول إيران ضمن مجموعة الـ15 قيام
الرئيس مبارك -لأول مرة- بالاتصال
بالرئيس الإيراني محمد خاتمي فور
انتهاء القمة، وتهنئته على قبول عضوية
إيران، ثم التقى مبارك وخاتمي في
سويسرا عام 2003.
وقد
عكست هذه التطورات التي جاءت في أعقاب
تطبيع شعبي واقتصادي وثقافي ورياضي
وديني (المقرئون المصريون أحيوا ليالي
رمضان لأول مرة في إيران)، ومعلومات عن
اتفاق بين خارجية البلدين على تصفية
نقاط الخلاف جديا نوعا من التأكيد على
أن علاقات البلدين تتجه إلى التطبيع
السياسي الذي كان معطلا بسبب الخلافات
(التي قيل: إنها زالت)، والتي كانت
موجودة بين القيادة السياسية للبلدين.
إلا
أن التحول في المواقف السياسية
الدولية من جهة، وتغير مصالح كل طرف من
جهة أخرى، إضافة إلى قضية التخابر
الأخير ربما تعيد العلاقات لنقطة
الصفر.
*
محلل الشئون السياسية بموقع إسلام أون
لاين.نت
|