بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


في مصر الآن.. استراتيجيات "المسكنات" و"إلهاء الجماهير" ‏!*

نبيل عبد الفتاح**

21/06/2004 

هل يمكن أن نترك موضوع التغيير السياسي والدستوري الهيكلي والشامل ـ ومعه وجوه الصفوة الحاكمة وأجيالها ونوعية تكوينها ـ لمجموعة من استراتيجيات السيطرة والمناورات والألعاب السياسة الرسمية النمطية؟ إن ما يثير هذا السؤال بعض الأساليب التي برزت مجددا لامتصاص الغضب السياسي المكتوم من ضعف مستويات الأداء السياسي للنظام‏،‏ وكوادره الضعيفة‏،‏ منها إدارة ملف مصر لمونديال‏2010‏ وعدم حصولها علي صوت واحد‏،‏ ورفض رئاسة القمة العربية عرض اقتراح مصري بخصوص الإصلاح‏،‏ رمي لإيجاد موقف جماعي إزاء الضغوط الأوروـ أمريكية المطالبة بضرورة إصلاح دول ومتجمعات ونخب أسهمت في إنتاج العنف والإرهاب باسم الدين الإسلامي العظيم كقناع لاحتجاج راديكالي إزاء فجوات اجتماعية‏،‏ وغياب للآمال السياسية الجماعية والفردية‏،‏ نقولها تجاوزا لأزمة ميلاد الفرد‏،‏ وتحول الدولة إلي نظام لإنتاج الاستبعادات الدينية والطائفية والمذهبية‏،‏ وإلي هياكل مغلقة إزاء المشاركة السياسية‏،‏ ومواقع لإنتاج الفسادات السياسية والبيروقراطية‏،‏ علامات ذات دلالة‏،‏ ووراءها تاريخ من مؤشرات التآكل والوهن المتسارع‏،‏ وتداعي المكانة الإقليمية والدولية للدولة‏،‏ والأمة المصرية‏،‏ أشرنا كثيرا له منذ نهاية عقد السبعينيات ولا نزال‏!‏ إن حالة رجل الشرق الأوسط المريض بالغة الحرج وتظهر من أبعاد الدور المصري في مفاوضات الملفات السودانية لمصلحة مجموعة الإيجاد والدور الأنجلو ـ أمريكي‏،‏ والإيطالي‏،‏ والنرويجي‏،‏ والألماني‏!‏ وبعض المؤسسات الدينية الغربية في عمليات التفاوض‏.‏

تحريك الجود بمسكنات وقتية

لجأ النظام إلي بعض الأساليب في التعامل مع موضوعات الإصلاح‏،‏ عبر تفريغ الموضوع من مضامينه وعمقه‏،‏ وتحويله إلي فقاعة من الفقاعات اللفظية‏،‏ وكجزء من لغة الخديعة والمناورة‏،‏ وهي جزء من اللعبة السياسية اليومية‏،‏ ودورنا هو تفكيك وهتك أستار الخداع والذي تحمله بعض أساليب المناورة التي ترقي إلي ترحيل المشكلات‏،‏ في حين أن تراكمات الأزمات تنذر بأخطار وخيمة علي مستقبل الدولة والأمة‏.‏ لجأت الصفوة الحاكمة إلي أسلوبين‏:‏ الأول، إقليمي ذو بعد دولي، وهو التحرك الأخير إزاء مبادرة شارون والانسحاب من غزة‏،‏ والأسلوب الثاني داخلي‏،‏ وهو الحديث المستمر عن التغيير الوزاري‏.‏ وسوف نحاول تحليل ما وراء الأسلوبين ومدي صلاحيتهما كمدخلين للتعامل مع المسألة المصرية ـ الرجل المريض والغلبان في الشرق الأوسط ـ في ظل تفاقمها‏،‏ وذلك فيما يلي‏:‏ 

إن تحرك الدبلوماسية المصرية للعب دور في إطار خطة شارون ـ غزة أولا‏،‏ ومن ثم استمرارية الربط بين التطور الديمقراطي الداخلي‏،‏ وحل القضايا الإقليمية‏!‏ اللعبة الأخيرة هي جزء من أنماط السلوك المصري إزاء تكالب الأزمات الداخلية والدولية التي تواجه النظام باتت شائعة‏،‏ حققت حينا بعضا من الأهداف‏،‏ وأصبحت الآن تحمل نذر إنتاج أزمات أخرى‏،‏ ونرصد هذه اللعبة ـ الاستراتيجية فيما يلي‏:‏ 

أ ـ عندما تتكثف الضغوط الأمريكية والإسرائيلية والأوروبية علي مصر‏،‏ في مجال التنديد بالانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان‏،‏ وعرقلة التسويات السياسية في المنطقة‏،‏ وإزاء الانتقادات المستمرة من المنظمات الحقوقية للحكومة‏،‏ أو بعض الاستراتيجيات العنيفة لجهاز الدولة إزاء بعض القوي المحجوبة عن الشرعية القانونية‏،‏ أو بعض ناشطي المجتمع المدني‏،‏ أو المجتمع المدني ـ تحت التشكيل ـ أو بعض القيود علي حريات الرأي والتعبير والإبداع‏،‏ ولاسيما من رجال الدين‏.‏ 

ب ـ تلجأ الصفوة الحاكمة إلي استراتيجية تحريك الجمود في مجال التسوية السياسية مع إسرائيل‏،‏ ووجهها الآخر تجميد عملية التسوية‏،‏ سواء من خلال قبول بعض المقترحات الإسرائيلية عبر أساليب المناورة الجزئية‏،‏ ومنها ممارسة بعض التأثير علي عرفات‏،‏ بأن يكون مانديلا فلسطين‏!‏ أين هو من مانديلا ودوره العظيم في تحرير شعبه لا قمعه؟‏!‏ وفتح ـ عبر ضرورة إعادة هيكلة السلطة والأمن من ضروب الفساد المتعدد داخلهما ـ أو الحوار مع حماس والجهاد الإسلامي‏،‏ ويخرج ممثلوهم بعد كل اجتماع مع مفاوضين مصريين بارزين رافضين مقترحات الحكومة المصرية‏،‏ وهي التي تربط بين حل القضية الفلسطينية والنظر في التطور الديمقراطي في مصر‏!!‏ 

جـ ـ تقديم بعض المقترحات الوسيطة أو التوفيقية بين الطرفين‏.‏ 

‏د ـ محاولة التوسط بين السلطة الفلسطينية والولايات المتحدة والإدارة الأمريكية لتخفيف الضغوط الإسرائيلية والحصار علي القيادات والشعب‏.‏ 

إن استراتيجية تحريك الجمود كانت تحقق عدة أهداف‏،‏ وثمة شك حول إمكان تحقيقها مجددا كما كان من قبل‏،‏ ويمكن رصد هذه الأهداف فيما يلي‏:‏ 

‏1‏ ـ تخفيف الضغط الأمريكي ـ الإسرائيلي‏،‏ وجماعات الضغط الصهيونية‏،‏ وهو ما حدث أخيرا من تخفيف لهجة الخطاب الأمريكي في اجتماع قمة دول الثماني الكبار الأخير‏،‏ وفي بعض تعديلات طفيفة في المبادرة الأمريكية‏،‏ وبرز ذلك في مرافعة شيراك ـ صديق النظام الديكتاتوري البعثي السابق في العراق ورئيسه صدام حسين‏،‏ والرئيس عمر بونجو في توجو‏،‏ والرئيس الروسي بوتين‏،‏ دفاعا عن الديكتاتوريات في المنطقة‏،‏ وفق نظرية أنها لا تحتاج إلي مبشرين بالديمقراطية‏،‏ وفق الخصوصيات والمواءمات والظروف لدي شيراك‏،‏ ونظرية أن الأولوية في المنطقة هي للأمن‏،‏ والتدرج في الإصلاحات لدي رجل الاستخبارات السابق بوتين‏،‏ وكلاهما ينهض من قلب الاستشراق الإمبريالي التقليدي العنصري‏،‏ والمعادي لثقافة المنطقة وشعوبها‏،‏ الذي ينطوي علي موقف عنصري يري الديمقراطية وحقوق الإنسان كمنظومة متكاملة لا تتجزأ هي من إنتاج وإنجاز وحقوق الرجل الأبيض‏،‏ وأن هذه المنطقة أدني من أن تكون جزءا من عالم الديمقراطيات وحقوق الإنسان‏!!‏ هذا هو أبرز إنجاز للعبة الأخيرة تجاه إسرائيل وشارون حتى الآن‏!‏ 

‏2‏ ـ الإيحاء بدور إقليمي مصري مركزي وفاعل‏،‏ إلا أن هذا الإيهام لم يعد مجديا لأن مقوماته وأرصدته تبددت بفعل الجمود الداخلي‏،‏ وضعف الخيال السياسي‏،‏ والمهارات‏،‏ ورفع بعض وزراء الخارجية والمستشارين الشعارات الصاخبة لكسب جماهيرية شخصية بلغة تنبو عن لغة الدبلوماسية‏،‏ ورصانة السياسيين المحترفين‏،‏ كل ذلك في محاولة لإيهام الجماهير بشعارات تعرفها‏،‏ بديلا عن إقناع الآخرين بها‏،‏ من حكومات‏،‏ ورأي عام عالمي‏.‏ 

‏3‏ ـ استثمار التحرك الإقليمي في إيجاد بعض الحلول الجزئية لبعض المشكلات الاقتصادية العاجلة‏،‏ محاولة دعم سعر صرف الجنيه إزاء الدولار والعملات الأجنبية‏،‏ دون تصد لجوهر الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد المصري‏،‏ وسوء الإدارة‏،‏ وضعف الأداء‏،‏ والأخطر الفساد‏..‏ إلخ‏.‏ 

ثمة سلوك سياسي آخر يتمثل في اقتناص فرص تبدو من بين ثنايا الأزمات‏،‏ أو لحظات التحول في السياسات الدولية ثم العولمية بعدئذ‏،‏ ولا بأس في هذا لأنه قلب عملية السياسة ـ كميدان لصراع المصالح والقيم والرموز داخليا ودوليا وديمقراطيا ـ ومن أبرز الأمثلة علي ذلك‏،‏ قيام الرئيس السادات بالإسهام في تحجيم الدور السوفيتي في الشواطئ الدافئة‏،‏ وطرد الخبراء السوفيت‏،‏ وتغيير نمط تحالفاته الدولية والإقليمية إلي الولايات المتحدة‏،‏ ودول البدوقراطية النفطية كالسعودية ودول الخليج‏،‏ ثم دعم العراق في مواجهة الأصولية الشيعية وجمهورية الملالي وآيات الله في إيران‏،‏ وبرز هذا الدور في حرب الخليج الثانية مع التحالف الأمريكي ـ الدولي ضد صدام حسين‏،‏ ثم مناوراتنا في أثناء الحرب ضد الإرهاب بعد‏11‏ سبتمبر‏،‏ انتقادات خطابية للاستهلاك الجماهيري‏،‏ وتحالفات ضمنية‏،‏ وفي حرب الخليج الثالثة لإسقاط صدام واحتلال العراق‏. هذا التداخل بين السياسة الخارجية والعلاقات الدولية والعولمية‏،‏ وبين قضايا ومشكلات داخلية أسهم أحيانا في إيجاد بعض الحلول الوقتية‏،‏ لكنه أسهم علي المدى البعيد في تراكم وتفاقم المشكلات إلي درجة التعقد علي نحو أدى إلي دخول البلاد إلي حلقة جهنمية بين المشكلات كلها‏.‏ 

استراتيجية التغييرات.. "لعبة" ‏

تهدف هذه الاستراتيجية إلي مواجهة حالات تصاعد الغضب والسخط الجماعي إزاء بعض السياسات الاقتصادية‏،‏ أو تدهور مستويات معيشة غالبية الجمهور المعسور من الفقراء والريف والمدن المريفة الثرية‏،‏ أو الغضب الصريح أو المكبوت إزاء أنماط غالبة من الفساد السياسي للكبار‏،‏ والفسادات الإدارية وفي المحليات‏،‏ وفي الشارع جهارا‏،‏ وبلا رادع‏..‏ إلخ‏!‏ 

هناك عدد من مستويات مواجهة هذه الحالات وما شابهها‏،‏ منها‏:‏ تقديم بعض قضايا الفساد من المستوي المتوسط وما فوقه بقليل‏،‏ مع بعض الحملات الأمنية لإعادة الانضباط إلي الشارع‏،‏ مع بعض الفضائح كي تكون جزءا من المتع الفظة للثرثرة السياسية والجنسية والمالية للصفوة والجمهور‏،‏ مع تناسي صلب المشكلات التي توهن أعصاب الدولة والمجتمع بكل تعقيداتها وتشابكاتها‏.‏ 

عند هذا المستوي من التعامل الحكومي‏،‏ يتم تفتيت كتل الغضب الجمعي إلي شظايا وإعادة تركيز الاهتمامات الجماهيرية حول توافه الأمور‏.‏ هذا التوزيع لاهتمامات الجمهور ـ علي اختلاف شرائحه وانتماءاته الاجتماعية ـ علي بؤر عديدة ـ هو جزء من لعبة السياسة‏،‏ وقد تكون ناجحة إذا كانت جزءا من إدارة أزمات عاجلة‏،‏ بهدف التمهيد لحلول ناجعة‏،‏ لكن من أسف أصبحت محض لعبة دائمة فقط‏،‏ وبدت وكأنها هي السياسة ومهاراتها‏..‏ إلخ‏!!‏ المستوي الأكثر بروزا يتمثل في التغييرات الوزارية الشاملة أو الجزئية لامتصاص الغضب‏.‏ كان الرئيس السادات يجيد ببراعة لعبة تغيير الحكومات‏،‏ لكنه أدمنها إلي درجة أفقدتها تأثيراتها في أحيان عديدة‏.‏ 

الحس السياسي للسادات ـ علي الرغم من إنجازات لاشك في أهميتها وأخطائه الفادحة وأوهامه الذاتية المتضخمة ـ اتسم في بعض الأحيان بالرهافة‏،‏ ومارس آلية تغيير الحكومات والوزراء لتجديد آمال طوابير قوائم انتظار التوزير‏؛ غالب هؤلاء تطلعوا دوما إلي السلطة ثمنا يؤجرون عليه مدحا للرئيس ـ حتى ولو لم يكن بحاجة قط للنفاق ـ وحكمته وعظمته والأعباء التي يتحملها نيابة عن شعبه‏،‏ إلي آخر هذا النمط الكاريكاتوري من خطابات الصغار في نفاق السلطة أيا كانت‏!‏ ومن بعض المتسلقين‏،‏ ومحدودي الموهبة والكفاءة وعملاء الأجهزة المعادية للديمقراطية والحريات العامة‏،‏ هذا النمط النفاقي السوقي بات من فولكلوريات السياسة المصرية‏،‏ ثمة آخرون من القوي المساندة والداعمة للرئيس والنظام ولها دور في الحكم‏.‏ طرف ثالث تلاعب الرئيس السادات بهم‏،‏ وهم بعض التكنوقراط والمدرسين من أساتذة الجامعات‏،‏ ممن نكبت بهم بلادنا منذ عام‏1952‏ وإلي الآن‏،‏ وكبار رجال الإدارة من أجهزة الدولة‏،‏ وهم من المتطلعين دوما بوله وشغف إلي مواقع وزارية‏،‏ وذلك كي يضمن ولاءات شخصية له‏،‏ ولنمط حكمه‏؛ مصادر متعددة للمتطلعين للوزارة وصفهم بفلسفته الساخرة الزميل الكبير أحمد رجب بالمشتاقين‏.‏ 

ما سبق لا يعني إسقاطنا لأحكام قيمة أخلاقية وأيديولوجية عليها‏،‏ لأننا إزاء وصف تحليلي لإحدى استراتيجيات السيطرة علي الحقل السياسي‏،‏ وعلي صفوة الحكم نفسها‏،‏ ومن حيث تركيبها‏،‏ والحراك داخلها‏،‏ أو التجنيد لها‏،‏ أي وصف خارج المدح أو الذم‏...‏أدت استراتيجية التغيير الوزاري‏،‏ والمحافظين متلاحقين أو متباعدين، لتحقيق وظائف‏،‏ إلا أنها تراجعت نسبيا بسبب الجمود‏،‏ وادعاءات تحقيق الاستقرار والإصلاح الاقتصادي‏!!‏ 

الحق أن استرايتجية تغيير الحكومات ورؤسائها والوزراء لم تتعد لعبة استيعاب السخط الجماهيري‏،‏ ومحاولة تجاوز الأزمات‏،‏ وإلهاء الجمهور‏،‏ بيد أنها لم تحقق قط أي إصلاح سياسي جاد في بني النظام‏،‏ وسياساته‏،‏ ولا في تركيبة ونوعية عمليات تجنيد الصفوة‏.‏ ظل الدور المركزي داخل النظام المصري منذ يوليو‏1952‏ وحتى هذه اللحظة متمثلا في موقع رئيس الجمهورية‏،‏ فوق السلطة التنفيذية‏،‏ والسلطات جميعا‏،‏ ثمة تسامح لاشك حوله في مجال حرية الصحافة مع ضغوط سلطوية ودينية علي حريات البحث والإبداع‏،‏ آخرها قرار وزير العدل بمنح صفة الضبطية القضائية لبعض شيوخ مجمع البحوث الإسلامية‏!!‏ بما يكشف عن اضطراب‏،‏ وعدم تجانس في التركيبة الحكومية وعدم تناسق في أداء أجهزة الدولة لأعمالها‏!!‏ مما سبق يبدو أن محض التغيير الوزاري في الوجوه‏،‏ وحتى الأجيال من ذات نوعية الموظفين السياسيين‏،‏ لا وزن لها في إحداث تحولات بنائية ونوعية في السياسة والصفوة الحاكمة‏،‏ وأداء النظام‏.‏ 

إن المتطلعين إلي التغيير السياسي ـ أيا كان نوعه وحدوده وفلسفته ـ لا حصر لهم سواء داخل الحزب الحاكم‏،‏ أو بعض رجال الأعمال بحثا عن حماية لأنشطتهم‏،‏ وطلبا للتوسع فيها عن طريق الأبناء والأنجال‏!‏ وثمة عديدون من ذوي الأصوات الصاخبة ترمي إلي التغيير بحثا عن مكان داخل عملياته‏،‏ ولا يستهدفون إعادة صياغة بنائية للدولة والسياسات والأجيال والمجتمع‏.‏ ثلاثة أجيال سياسية‏،‏ وبالأحرى القول إننا إزاء عناصر تنتمي إلي ثلاثة أجيال ترفع عقائرها الصاخبة بالتغيير والإصلاح‏،‏ لكن غالبها ـ لا كلها ـ تفتقر إلي مفاتيح للتعامل معه‏،‏ وفتح مسارات للحركة نحو تأسيس مصر الديمقراطية الحرة الجديدة‏.‏ 

أول المنتظرين للتغيير، بعض عناصر ستينية‏،‏ وهو جيل عاني هزائم عديدة وتقلبات النظام بعد هزيمة يونيو‏1967،‏ بعضه التحق بالسلطة الثقافية والإعلامية الرسمية‏،‏ وبات يمثل جزءا من وجهاء الثقافة والأحزاب والإعلام المتلفز والمكتوب والمسموع‏.‏ غالب الرموز الستينية ـ لا كلها ـ من الفرز الثاني والثالث والرابع في الثقافة والأكاديمية والإعلام والصحافة تحديدا‏.‏ وجل هؤلاء يتكاتفون في تحالف غير مكتوب لدعم بعضهم بعضا‏.‏ من هؤلاء بعض من يتصدرون ـ ومعهم بعض من إمعات الأجيال التالية ـ كل المشاهد الرسمية‏،‏ والكرنفالات والطقوس السياسية والثقافية ويوزعون الجوائز والفرص والتفرغ بين بعضهم‏،‏ وبعض مواليهم من أجيال تالية‏،‏ وفق قانون المعلم والأتباع‏.‏ نمط من التواطؤات والمحسوبيات يشكل علما علي مراحل كاملة وممتدة في حياتنا‏.‏ ثمة عناصر موهوبة ولامعة داخل هذا الجيل لديها ما تقدمه من عطاء في معارك التغيير الشامل القادمة بلا جدال طال الوقت أو قصر‏.‏ بعضها استكان وصمت‏،‏ وبعضها يحاول‏،‏ وبعضها الآخر آثر مسايرة لعبة السلطة الرسمية حتى لا يطرد خارجها‏.‏ يفترض أن بعض هذا الجيل سيكون طرفا انتقاليا في أية عملية تغيير جاد أو زائف في السياسة والثقافة والمجتمع المدني تحت التشكيل‏!‏ 

الجيل الثاني بعض أبناء السبعينيات‏،‏ وبعضهم له تجارب سياسية سابقة‏،‏ وبعض هؤلاء من جرحي الحياة السياسية بمواريثها السلبية والإيجابية معا‏.‏ وحضور هؤلاء في المجال العام ـ في الصحافة والمنظمات غير الحكومية ـ تأثر بخلفياتهم وتناقضاتهم وصراعاتهم السابقة‏.‏ بعض رموز هذا الجيل يفترض أن يكون القلب الحي للحياة السياسية في الحكومة والإعلام والحزب الحاكم وأحزاب المعارضة‏،‏ وفي المنظمات غير الحكومية‏،‏ إلا أن ذلك افتراض‏!‏ ودور هؤلاء هو إعداد مسرح الحياة العامة والأحزاب والإعلام وهياكل الدولة لأجيال جديدة تدخل الحياة السياسية المصرية‏،‏ وإيجاد فرص وبدائل وآمال جديدة‏.‏ 

إلا أن الفرض السياسي ليس تعبيرا عن واقع حال هذه المجموعات‏.‏ يمكن استثناء عدد من ألمع أبناء السبعينيات في الأكاديمية والبحث السياسي‏،‏ والرواية والشعر ـ وهم قلة قليلة ـ وفي التصوير والنقد الأدبي‏،‏ وبعضهم في العمل القانوني في الفقه والقضاء والمحاماة‏،‏ من مصائر وضعف مهارات وخبرات بقية أبناء جيلهم‏.‏ القلة الكفء والموهوبة واللامعة في هذا الجيل لديها خبرات قومية ودولية رفيعة‏،‏ والقوة الضاربة فيهم لذوي الخلفيات اليسارية والليبرالية‏،‏ وغالبهم يدخل الآن في دائرة القوى الديمقراطية الليبرالية تحت أعلام الحريات العامة وحقوق الإنسان‏،‏ وعلمنة النظام السياسي المرنة‏.‏ رغما عن تشوهات ومشكلات عديدة داخل هذه المجموعات‏،‏ فإنه لا بديل قط عنها في أي مشروع تغيير شامل‏،‏ وجاد للدولة والنظام والمجتمع‏.‏ 

هذا الاستثناء في إطار أصوات صاخبة الصوت‏،‏ تفتقر إلي الخبرات السياسية والجماهيرية الواسعة‏،‏ وجماعات لا تزال معزولة وستبحث عن دور ما‏.‏ من أبرز إنجازات بعض أبناء هذا الجيل من الحركيين والنشطاء خلال العقدين الأخيرين‏،‏ بعض الممارسات في مجال المنظمات الدفاعية والحقوقية‏،‏ آخرون نجحوا إلي حد ما في مجال الأعمال‏،‏ وهؤلاء يأملون في الاشتغال بالسياسة كجزء من الحنين لرومانتيكية سياسية غامضة للحركة الطلابية‏72‏ ـ‏1973،‏ لكنها عبثا أفلت‏.‏ يرمي بعض هؤلاء إلي تطوير مواقعهم الطبقية الجديدة بعد الانفتاح والفساد ومعهما‏.‏ 

جيلا الثمانينيات والتسعينيات همومهما واهتماماتهما السياسية لم تعد محملة بإرث الأجيال السابقة ذات الشعارات والمقولات والسرديات الأيديولوجية والفلسفية الكبرى‏،‏ هم نتاج أجيال من الهزائم والتحولات العاصفة في عصرنا‏،‏ وانهيار الإمبراطوريات الفلسفية الكبرى كالماركسية‏.‏ يركز هؤلاء علي اليومي والمعاش والملموس‏،‏ وهو ما تجلي في سردياتهم وفي نصوصهم الشعرية والروائية في إطار الجماعة الثقافية‏.‏ ثمة عناصر موهوبة داخل الجيل التسعيني ـ وما بعده ـ تمتلك مهارات تقنية عالية‏،‏ والأهم إدراك العالم الجديد بتحولاته كما هو‏،‏ وأصبحوا يراكمون خبرات علمية وحسا ذرائعيا‏.‏ هذا الجيل تضم نخبته شريحة معولمة‏،‏ تعيش حياة تتداخل فيها أنماط متعددة‏،‏ وآخرون ينتمون إلي بعض الجماعات الدينية‏،‏ ولا يزال منخرطا ضمن البنية الأيديولوجية الدينية في مقولاتها العامة‏.‏ 

نحن أمام ملفات معقدة‏،‏ وتركيبة سوسيو ـ سياسية مشوشة ومشوهة‏،‏ ومن ثم تبدو استراتيجية تحريك الجمود في التسوية والعلاقات مع إسرائيل‏،‏ واستراتيجية التغيير الوزاري ليست سوي عرض لأزمة كبرى في العقل السياسي للصفوة الحاكمة‏،‏ ولسنا أمام مشرع كبير للتغيير الشامل‏!‏ بصراحة لم يعد هذا النمط من السياسات والسلوكيات صالحا للمناورة مع ضرورات الإصلاح والتغيير الشامل‏،‏ لابد أن نفصل بين التغيير الديمقراطي النيابي والإصلاح الشامل بين القضية الفلسطينية‏،‏ والأوضاع في العراق‏،‏ لأنهما أولا مسئولية الشعبين الفلسطيني والعراقي‏،‏ وقادتهما‏،‏ ولأن الربط بين هذه القضايا‏،‏ والتغيير الشامل يعني تأهيل تطوير مصر وتحريرها من صنوف الاستبداد إلي زمن مجهول لحين حل القضية‏!‏ واستقرار العراق‏!‏ أو إصلاح كائن مشلول يدعي جامعة عربية فمصر أولا وأخيرا‏.‏ 

ضرورة الفصل بين الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي الذي فشل لأنه تم في أطر لا ديمقراطية بلا مساءلة ولا شفافية‏..‏ إلخ‏،‏ ولم يحدث لا الإصلاح الاقتصادي‏،‏ ولا تحررنا من السلطوية والاستبداد‏.‏ كفي مناورات وخديعة وألعابا مكشوفة‏،‏ الحلال الديمقراطي الحر بين لا لبس ولا غموض حوله‏،‏ دستور جديد لجمهورية نيابية جديدة‏،‏ تأقيت ولاية رئيس الدولة بمدتين‏،‏ ثماني سنوات علي الأكثر في هذا العصر وانتخابات بين أكثر من مرشح رئاسي‏،‏ ودولة القانون‏،‏ أما حرام وآثام الاستبداد والسلطوية‏،‏ فلا يحتاج إلي إشارة فقط‏:‏ انظر حولك‏!‏

اقرأ أيضًا:


*نقلاً عن جريدة الأهرام، 14 يونيو 2004؛ المقال نشر تحت عنوان "استراتيجيات المراوغة واللاإصلاح في مصر الآن‏! سياسة ضد السياسة"

** مساعد مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام - رئيس وحدة البحوث الاجتماعية؛ ورئيس تحرير تقرير الحالة الدينية في مصر

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع