|
في
مصر الآن.. استراتيجيات "المسكنات"
و"إلهاء الجماهير" !*
|
|
نبيل
عبد الفتاح**
|
21/06/2004
|
|

|
|
|
هل
يمكن أن نترك موضوع التغيير السياسي
والدستوري الهيكلي والشامل ـ ومعه
وجوه الصفوة الحاكمة وأجيالها ونوعية
تكوينها ـ لمجموعة من استراتيجيات
السيطرة والمناورات والألعاب السياسة
الرسمية النمطية؟ إن ما يثير هذا
السؤال بعض الأساليب التي برزت مجددا
لامتصاص الغضب السياسي المكتوم من ضعف
مستويات الأداء السياسي للنظام،
وكوادره الضعيفة، منها إدارة ملف
مصر لمونديال2010 وعدم حصولها علي
صوت واحد، ورفض رئاسة القمة
العربية عرض اقتراح مصري بخصوص
الإصلاح، رمي لإيجاد موقف جماعي
إزاء الضغوط الأوروـ أمريكية المطالبة
بضرورة إصلاح دول ومتجمعات ونخب أسهمت
في إنتاج العنف والإرهاب باسم الدين
الإسلامي العظيم كقناع لاحتجاج
راديكالي إزاء فجوات اجتماعية،
وغياب للآمال السياسية الجماعية
والفردية، نقولها
تجاوزا لأزمة ميلاد الفرد، وتحول
الدولة إلي نظام لإنتاج الاستبعادات
الدينية والطائفية والمذهبية،
وإلي هياكل مغلقة إزاء المشاركة
السياسية، ومواقع لإنتاج الفسادات
السياسية والبيروقراطية، علامات
ذات دلالة، ووراءها تاريخ من
مؤشرات التآكل والوهن المتسارع،
وتداعي المكانة الإقليمية والدولية
للدولة، والأمة المصرية، أشرنا
كثيرا له منذ نهاية عقد السبعينيات ولا
نزال! إن حالة رجل الشرق الأوسط
المريض بالغة الحرج وتظهر من أبعاد
الدور المصري في مفاوضات الملفات
السودانية لمصلحة مجموعة الإيجاد
والدور الأنجلو ـ أمريكي،
والإيطالي، والنرويجي،
والألماني! وبعض المؤسسات الدينية
الغربية في عمليات التفاوض.
تحريك
الجود بمسكنات وقتية
لجأ
النظام إلي بعض الأساليب في التعامل مع
موضوعات الإصلاح، عبر تفريغ
الموضوع من مضامينه وعمقه، وتحويله
إلي فقاعة من الفقاعات اللفظية،
وكجزء من لغة الخديعة والمناورة،
وهي جزء من اللعبة السياسية اليومية،
ودورنا هو تفكيك وهتك أستار الخداع
والذي تحمله بعض أساليب المناورة التي
ترقي إلي ترحيل المشكلات، في حين أن
تراكمات الأزمات تنذر بأخطار وخيمة
علي مستقبل الدولة والأمة. لجأت
الصفوة الحاكمة إلي أسلوبين:
الأول، إقليمي ذو بعد دولي، وهو التحرك
الأخير إزاء مبادرة شارون والانسحاب
من غزة، والأسلوب الثاني داخلي،
وهو الحديث المستمر عن التغيير
الوزاري. وسوف
نحاول تحليل ما وراء الأسلوبين ومدي
صلاحيتهما كمدخلين للتعامل مع المسألة
المصرية ـ الرجل المريض والغلبان في
الشرق الأوسط ـ في ظل تفاقمها، وذلك
فيما يلي:
إن
تحرك الدبلوماسية المصرية للعب دور في
إطار خطة شارون ـ غزة أولا، ومن ثم
استمرارية الربط بين التطور
الديمقراطي الداخلي، وحل القضايا
الإقليمية! اللعبة الأخيرة هي جزء
من أنماط السلوك المصري إزاء تكالب
الأزمات الداخلية والدولية التي تواجه
النظام باتت شائعة، حققت حينا بعضا
من الأهداف، وأصبحت الآن تحمل نذر
إنتاج أزمات أخرى، ونرصد
هذه اللعبة ـ الاستراتيجية فيما يلي:
أ
ـ عندما تتكثف الضغوط الأمريكية
والإسرائيلية والأوروبية علي مصر،
في مجال التنديد بالانتهاكات الممنهجة
لحقوق الإنسان، وعرقلة التسويات
السياسية في المنطقة، وإزاء
الانتقادات المستمرة من المنظمات
الحقوقية للحكومة، أو بعض
الاستراتيجيات العنيفة لجهاز الدولة
إزاء بعض القوي المحجوبة عن الشرعية
القانونية، أو بعض ناشطي المجتمع
المدني، أو المجتمع المدني ـ تحت
التشكيل ـ أو بعض القيود علي حريات
الرأي والتعبير والإبداع، ولاسيما
من رجال الدين.
ب
ـ تلجأ الصفوة الحاكمة إلي استراتيجية
تحريك الجمود في مجال التسوية
السياسية مع إسرائيل، ووجهها الآخر
تجميد عملية التسوية، سواء من خلال
قبول بعض المقترحات الإسرائيلية عبر
أساليب المناورة الجزئية، ومنها
ممارسة بعض التأثير علي عرفات، بأن
يكون مانديلا فلسطين! أين هو من
مانديلا ودوره العظيم في تحرير شعبه لا
قمعه؟! وفتح ـ عبر ضرورة إعادة
هيكلة السلطة والأمن من ضروب الفساد
المتعدد داخلهما ـ أو الحوار مع حماس
والجهاد الإسلامي، ويخرج ممثلوهم
بعد كل اجتماع مع مفاوضين مصريين
بارزين رافضين مقترحات الحكومة
المصرية، وهي التي تربط بين حل
القضية الفلسطينية والنظر في التطور
الديمقراطي في مصر!!
جـ
ـ تقديم بعض المقترحات الوسيطة أو
التوفيقية بين الطرفين.
د
ـ محاولة التوسط بين السلطة
الفلسطينية والولايات المتحدة
والإدارة الأمريكية لتخفيف الضغوط
الإسرائيلية والحصار علي القيادات
والشعب.
إن
استراتيجية تحريك الجمود كانت تحقق
عدة أهداف، وثمة شك حول إمكان
تحقيقها مجددا كما كان من قبل،
ويمكن رصد هذه الأهداف فيما يلي:
1
ـ تخفيف الضغط الأمريكي ـ الإسرائيلي،
وجماعات الضغط الصهيونية، وهو ما
حدث أخيرا من تخفيف لهجة الخطاب
الأمريكي في اجتماع قمة دول الثماني
الكبار الأخير، وفي بعض تعديلات
طفيفة في المبادرة الأمريكية، وبرز
ذلك في مرافعة شيراك ـ صديق النظام
الديكتاتوري البعثي السابق في العراق
ورئيسه صدام حسين، والرئيس عمر
بونجو في توجو، والرئيس الروسي
بوتين، دفاعا عن الديكتاتوريات في
المنطقة، وفق نظرية أنها لا تحتاج
إلي مبشرين بالديمقراطية، وفق
الخصوصيات والمواءمات والظروف لدي
شيراك، ونظرية أن الأولوية في
المنطقة هي للأمن، والتدرج في
الإصلاحات لدي رجل الاستخبارات السابق
بوتين، وكلاهما ينهض من قلب
الاستشراق الإمبريالي التقليدي
العنصري، والمعادي لثقافة المنطقة
وشعوبها، الذي ينطوي علي موقف
عنصري يري الديمقراطية وحقوق الإنسان
كمنظومة متكاملة لا تتجزأ هي من إنتاج
وإنجاز وحقوق الرجل الأبيض، وأن
هذه المنطقة أدني من أن تكون جزءا من
عالم الديمقراطيات وحقوق الإنسان!!
هذا هو أبرز إنجاز للعبة الأخيرة تجاه
إسرائيل وشارون حتى الآن!
2
ـ الإيحاء بدور إقليمي مصري مركزي
وفاعل، إلا أن هذا الإيهام لم يعد
مجديا لأن مقوماته وأرصدته تبددت بفعل
الجمود الداخلي، وضعف الخيال
السياسي، والمهارات، ورفع بعض
وزراء الخارجية والمستشارين الشعارات
الصاخبة لكسب جماهيرية شخصية بلغة
تنبو عن لغة الدبلوماسية، ورصانة
السياسيين المحترفين، كل ذلك في
محاولة لإيهام الجماهير بشعارات
تعرفها، بديلا عن إقناع الآخرين
بها، من حكومات، ورأي عام عالمي.
3
ـ استثمار التحرك الإقليمي في إيجاد
بعض الحلول الجزئية لبعض المشكلات
الاقتصادية العاجلة، محاولة دعم
سعر صرف الجنيه إزاء الدولار والعملات
الأجنبية، دون تصد لجوهر
الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد
المصري، وسوء الإدارة، وضعف
الأداء، والأخطر الفساد.. إلخ.
ثمة
سلوك سياسي آخر يتمثل في اقتناص فرص
تبدو من بين ثنايا الأزمات، أو
لحظات التحول في السياسات الدولية ثم
العولمية بعدئذ، ولا بأس في هذا
لأنه قلب عملية السياسة ـ كميدان لصراع
المصالح والقيم والرموز داخليا ودوليا
وديمقراطيا ـ ومن أبرز الأمثلة علي ذلك،
قيام الرئيس السادات بالإسهام في
تحجيم الدور السوفيتي في الشواطئ
الدافئة، وطرد الخبراء السوفيت،
وتغيير نمط تحالفاته الدولية
والإقليمية إلي الولايات المتحدة،
ودول البدوقراطية النفطية كالسعودية
ودول الخليج، ثم دعم العراق في
مواجهة الأصولية الشيعية وجمهورية
الملالي وآيات الله في إيران، وبرز
هذا الدور في حرب الخليج الثانية مع
التحالف الأمريكي ـ الدولي ضد صدام
حسين، ثم مناوراتنا في أثناء الحرب
ضد الإرهاب بعد11 سبتمبر،
انتقادات خطابية للاستهلاك الجماهيري،
وتحالفات ضمنية، وفي حرب الخليج
الثالثة لإسقاط صدام واحتلال العراق.
هذا
التداخل بين السياسة الخارجية
والعلاقات الدولية والعولمية،
وبين قضايا ومشكلات داخلية أسهم
أحيانا في إيجاد بعض الحلول الوقتية،
لكنه أسهم علي المدى البعيد في تراكم
وتفاقم المشكلات إلي درجة التعقد علي
نحو أدى إلي دخول البلاد إلي حلقة
جهنمية بين المشكلات كلها.
استراتيجية
التغييرات.. "لعبة"
تهدف
هذه الاستراتيجية إلي مواجهة حالات
تصاعد الغضب والسخط الجماعي إزاء بعض
السياسات الاقتصادية، أو تدهور
مستويات معيشة غالبية الجمهور المعسور
من الفقراء والريف والمدن المريفة
الثرية، أو الغضب الصريح أو
المكبوت إزاء أنماط غالبة من الفساد
السياسي للكبار، والفسادات
الإدارية وفي المحليات، وفي الشارع
جهارا، وبلا رادع.. إلخ!
هناك
عدد من مستويات مواجهة هذه الحالات وما
شابهها، منها: تقديم بعض قضايا
الفساد من المستوي المتوسط وما فوقه
بقليل، مع بعض الحملات الأمنية
لإعادة الانضباط إلي الشارع، مع
بعض الفضائح كي تكون جزءا من المتع
الفظة للثرثرة السياسية والجنسية
والمالية للصفوة والجمهور، مع
تناسي صلب المشكلات التي توهن أعصاب
الدولة والمجتمع بكل تعقيداتها
وتشابكاتها.
عند
هذا المستوي من التعامل الحكومي،
يتم تفتيت كتل الغضب الجمعي إلي شظايا
وإعادة تركيز الاهتمامات الجماهيرية
حول توافه الأمور. هذا التوزيع
لاهتمامات الجمهور ـ علي اختلاف
شرائحه وانتماءاته الاجتماعية ـ علي
بؤر عديدة ـ هو جزء من لعبة السياسة،
وقد تكون ناجحة إذا كانت جزءا من إدارة
أزمات عاجلة، بهدف التمهيد لحلول
ناجعة، لكن من أسف أصبحت محض لعبة
دائمة فقط، وبدت وكأنها هي السياسة
ومهاراتها.. إلخ!!
المستوي الأكثر بروزا يتمثل في
التغييرات الوزارية الشاملة أو
الجزئية لامتصاص الغضب. كان الرئيس
السادات يجيد ببراعة لعبة تغيير
الحكومات، لكنه أدمنها إلي درجة
أفقدتها تأثيراتها في أحيان عديدة.
الحس
السياسي للسادات ـ علي الرغم من
إنجازات لاشك في أهميتها وأخطائه
الفادحة وأوهامه الذاتية المتضخمة ـ
اتسم في بعض الأحيان بالرهافة،
ومارس آلية تغيير الحكومات والوزراء
لتجديد آمال طوابير قوائم انتظار
التوزير؛ غالب هؤلاء تطلعوا دوما إلي
السلطة ثمنا يؤجرون عليه مدحا للرئيس ـ
حتى ولو لم يكن بحاجة قط للنفاق ـ
وحكمته وعظمته والأعباء التي يتحملها
نيابة عن شعبه، إلي آخر هذا النمط
الكاريكاتوري من خطابات الصغار في
نفاق السلطة أيا كانت! ومن بعض
المتسلقين، ومحدودي الموهبة
والكفاءة وعملاء الأجهزة المعادية
للديمقراطية والحريات العامة، هذا
النمط النفاقي السوقي بات من
فولكلوريات السياسة المصرية، ثمة
آخرون من القوي المساندة والداعمة
للرئيس والنظام ولها دور في الحكم.
طرف ثالث تلاعب الرئيس السادات بهم،
وهم بعض التكنوقراط والمدرسين من
أساتذة الجامعات، ممن نكبت بهم
بلادنا منذ عام1952 وإلي الآن،
وكبار رجال الإدارة من أجهزة الدولة،
وهم من المتطلعين دوما بوله وشغف إلي
مواقع وزارية، وذلك كي يضمن ولاءات
شخصية له، ولنمط حكمه؛ مصادر
متعددة للمتطلعين للوزارة وصفهم
بفلسفته الساخرة الزميل الكبير أحمد
رجب بالمشتاقين.
ما
سبق لا يعني إسقاطنا لأحكام قيمة
أخلاقية وأيديولوجية عليها، لأننا
إزاء وصف تحليلي لإحدى استراتيجيات
السيطرة علي الحقل السياسي، وعلي
صفوة الحكم نفسها، ومن حيث تركيبها،
والحراك داخلها، أو التجنيد لها،
أي وصف خارج المدح أو الذم...أدت
استراتيجية التغيير الوزاري،
والمحافظين متلاحقين أو متباعدين،
لتحقيق وظائف، إلا أنها تراجعت
نسبيا بسبب الجمود، وادعاءات تحقيق
الاستقرار والإصلاح الاقتصادي!!
الحق
أن استرايتجية تغيير الحكومات
ورؤسائها والوزراء لم تتعد لعبة
استيعاب السخط الجماهيري، ومحاولة
تجاوز الأزمات، وإلهاء الجمهور،
بيد أنها لم تحقق قط أي إصلاح سياسي جاد
في بني النظام، وسياساته، ولا
في تركيبة ونوعية عمليات تجنيد الصفوة.
ظل الدور المركزي داخل النظام المصري
منذ يوليو1952 وحتى هذه اللحظة
متمثلا في موقع رئيس الجمهورية،
فوق السلطة التنفيذية، والسلطات
جميعا، ثمة تسامح لاشك حوله في مجال
حرية الصحافة مع ضغوط سلطوية ودينية
علي حريات البحث والإبداع، آخرها
قرار وزير العدل بمنح صفة الضبطية
القضائية لبعض شيوخ مجمع البحوث
الإسلامية!! بما يكشف عن اضطراب،
وعدم تجانس في التركيبة الحكومية وعدم
تناسق في أداء أجهزة الدولة لأعمالها!!
مما سبق يبدو أن محض التغيير الوزاري
في الوجوه، وحتى الأجيال من ذات
نوعية الموظفين السياسيين، لا وزن
لها في إحداث تحولات بنائية ونوعية في
السياسة والصفوة الحاكمة، وأداء
النظام.
إن
المتطلعين إلي التغيير السياسي ـ أيا
كان نوعه وحدوده وفلسفته ـ لا حصر لهم
سواء داخل الحزب الحاكم، أو بعض
رجال الأعمال بحثا عن حماية لأنشطتهم،
وطلبا للتوسع فيها عن طريق الأبناء
والأنجال! وثمة عديدون من ذوي
الأصوات الصاخبة ترمي إلي التغيير
بحثا عن مكان داخل عملياته، ولا
يستهدفون إعادة صياغة بنائية للدولة
والسياسات والأجيال والمجتمع.
ثلاثة أجيال سياسية، وبالأحرى
القول إننا إزاء عناصر تنتمي إلي ثلاثة
أجيال ترفع عقائرها الصاخبة بالتغيير
والإصلاح، لكن غالبها ـ لا كلها ـ
تفتقر إلي مفاتيح للتعامل معه،
وفتح مسارات للحركة نحو تأسيس مصر
الديمقراطية الحرة الجديدة.
أول
المنتظرين للتغيير، بعض عناصر ستينية،
وهو جيل عاني هزائم عديدة وتقلبات
النظام بعد هزيمة يونيو1967، بعضه
التحق بالسلطة الثقافية والإعلامية
الرسمية، وبات يمثل جزءا من وجهاء
الثقافة والأحزاب والإعلام المتلفز
والمكتوب والمسموع. غالب الرموز
الستينية ـ لا كلها ـ من الفرز الثاني
والثالث والرابع في الثقافة
والأكاديمية والإعلام والصحافة
تحديدا. وجل هؤلاء يتكاتفون في
تحالف غير مكتوب لدعم بعضهم بعضا.
من هؤلاء بعض من يتصدرون ـ ومعهم بعض من
إمعات الأجيال التالية ـ كل المشاهد
الرسمية، والكرنفالات والطقوس
السياسية والثقافية ويوزعون الجوائز
والفرص والتفرغ بين بعضهم، وبعض
مواليهم من أجيال تالية، وفق قانون
المعلم والأتباع. نمط من التواطؤات
والمحسوبيات يشكل علما علي مراحل
كاملة وممتدة في حياتنا. ثمة عناصر
موهوبة ولامعة داخل هذا الجيل لديها ما
تقدمه من عطاء في معارك التغيير الشامل
القادمة بلا جدال طال الوقت أو قصر.
بعضها استكان وصمت، وبعضها يحاول،
وبعضها الآخر آثر مسايرة لعبة السلطة
الرسمية حتى لا يطرد خارجها. يفترض
أن بعض هذا الجيل سيكون طرفا انتقاليا
في أية عملية تغيير جاد أو زائف في
السياسة والثقافة والمجتمع المدني تحت
التشكيل!
الجيل
الثاني بعض أبناء السبعينيات،
وبعضهم له تجارب سياسية سابقة،
وبعض هؤلاء من جرحي الحياة السياسية
بمواريثها السلبية والإيجابية معا.
وحضور هؤلاء في المجال العام ـ في
الصحافة والمنظمات غير الحكومية ـ
تأثر بخلفياتهم وتناقضاتهم وصراعاتهم
السابقة. بعض رموز هذا الجيل يفترض
أن يكون القلب الحي للحياة السياسية في
الحكومة والإعلام والحزب الحاكم
وأحزاب المعارضة، وفي المنظمات غير
الحكومية، إلا أن ذلك افتراض!
ودور هؤلاء هو إعداد مسرح الحياة
العامة والأحزاب والإعلام وهياكل
الدولة لأجيال جديدة تدخل الحياة
السياسية المصرية، وإيجاد فرص
وبدائل وآمال جديدة.
إلا
أن الفرض السياسي ليس تعبيرا عن واقع
حال هذه المجموعات. يمكن استثناء
عدد من ألمع أبناء السبعينيات في
الأكاديمية والبحث السياسي،
والرواية والشعر ـ وهم قلة قليلة ـ وفي
التصوير والنقد الأدبي، وبعضهم في
العمل القانوني في الفقه والقضاء
والمحاماة، من مصائر وضعف مهارات
وخبرات بقية أبناء جيلهم. القلة
الكفء والموهوبة واللامعة في هذا
الجيل لديها خبرات قومية ودولية رفيعة،
والقوة الضاربة فيهم لذوي الخلفيات
اليسارية والليبرالية، وغالبهم
يدخل الآن في دائرة القوى الديمقراطية
الليبرالية تحت أعلام الحريات العامة
وحقوق الإنسان، وعلمنة النظام
السياسي المرنة. رغما عن تشوهات
ومشكلات عديدة داخل هذه المجموعات،
فإنه لا بديل قط عنها في أي مشروع تغيير
شامل، وجاد للدولة والنظام
والمجتمع.
هذا
الاستثناء في إطار أصوات صاخبة الصوت،
تفتقر إلي الخبرات السياسية
والجماهيرية الواسعة، وجماعات لا
تزال معزولة وستبحث عن دور ما. من
أبرز إنجازات بعض أبناء هذا الجيل من
الحركيين والنشطاء خلال العقدين
الأخيرين، بعض الممارسات في مجال
المنظمات الدفاعية والحقوقية،
آخرون نجحوا إلي حد ما في مجال الأعمال،
وهؤلاء يأملون في الاشتغال بالسياسة
كجزء من الحنين لرومانتيكية سياسية
غامضة للحركة الطلابية72 ـ1973،
لكنها عبثا أفلت. يرمي بعض هؤلاء
إلي تطوير مواقعهم الطبقية الجديدة
بعد الانفتاح والفساد ومعهما.
جيلا
الثمانينيات والتسعينيات همومهما
واهتماماتهما السياسية لم تعد محملة
بإرث الأجيال السابقة ذات الشعارات
والمقولات والسرديات الأيديولوجية
والفلسفية الكبرى، هم نتاج أجيال
من الهزائم والتحولات العاصفة في
عصرنا، وانهيار الإمبراطوريات
الفلسفية الكبرى كالماركسية. يركز
هؤلاء علي اليومي والمعاش والملموس،
وهو ما تجلي في سردياتهم وفي نصوصهم
الشعرية والروائية في إطار الجماعة
الثقافية. ثمة عناصر موهوبة داخل
الجيل التسعيني ـ وما بعده ـ تمتلك
مهارات تقنية عالية، والأهم إدراك
العالم الجديد بتحولاته كما هو،
وأصبحوا يراكمون خبرات علمية وحسا
ذرائعيا. هذا الجيل تضم نخبته شريحة
معولمة، تعيش حياة تتداخل فيها
أنماط متعددة، وآخرون ينتمون إلي
بعض الجماعات الدينية، ولا يزال
منخرطا ضمن البنية الأيديولوجية
الدينية في مقولاتها العامة.
نحن
أمام ملفات معقدة، وتركيبة سوسيو ـ
سياسية مشوشة ومشوهة، ومن ثم تبدو
استراتيجية تحريك الجمود في التسوية
والعلاقات مع إسرائيل،
واستراتيجية التغيير الوزاري ليست سوي
عرض لأزمة كبرى في العقل السياسي
للصفوة الحاكمة، ولسنا أمام مشرع
كبير للتغيير الشامل!
بصراحة لم يعد هذا النمط من السياسات
والسلوكيات صالحا للمناورة مع ضرورات
الإصلاح والتغيير الشامل، لابد أن
نفصل بين التغيير الديمقراطي النيابي
والإصلاح الشامل بين القضية
الفلسطينية، والأوضاع في العراق،
لأنهما أولا مسئولية الشعبين
الفلسطيني والعراقي، وقادتهما،
ولأن الربط بين هذه القضايا،
والتغيير الشامل يعني تأهيل تطوير مصر
وتحريرها من صنوف الاستبداد إلي زمن
مجهول لحين حل القضية! واستقرار
العراق! أو إصلاح كائن مشلول يدعي
جامعة عربية فمصر أولا وأخيرا.
ضرورة
الفصل بين الإصلاح السياسي والإصلاح
الاقتصادي الذي فشل لأنه تم في أطر لا
ديمقراطية بلا مساءلة ولا شفافية..
إلخ، ولم يحدث لا الإصلاح
الاقتصادي، ولا تحررنا من السلطوية
والاستبداد. كفي مناورات وخديعة
وألعابا مكشوفة، الحلال
الديمقراطي الحر بين لا لبس ولا غموض
حوله، دستور جديد لجمهورية نيابية
جديدة، تأقيت ولاية رئيس الدولة
بمدتين، ثماني سنوات علي الأكثر في
هذا العصر وانتخابات بين أكثر من مرشح
رئاسي، ودولة القانون، أما حرام
وآثام الاستبداد والسلطوية، فلا
يحتاج إلي إشارة فقط: انظر حولك!
اقرأ
أيضًا:
*نقلاً عن جريدة
الأهرام، 14 يونيو 2004؛ المقال نشر تحت
عنوان "استراتيجيات المراوغة
واللاإصلاح في مصر الآن! سياسة ضد
السياسة"
** مساعد مدير مركز الدراسات
السياسية والاستراتيجية بالأهرام -
رئيس وحدة البحوث الاجتماعية؛ ورئيس
تحرير تقرير الحالة الدينية في مصر
|